حين تغيب الحكمة... وتقاد الأمم بالغرائز
“حين يحكم الغرور، ويصمت العقل، تُساق الحضارات إلى الهاوية.”
في لحظة من لحظات التأمل، وسط ضجيج هذا العالم، تساءلت: كيف صار العالم إلى ما هو عليه؟ ولماذا أصبح يُدار بمنطق الغلبة والمنفعة، لا بمنطق الحكمة والإنسانية؟
لقد بدت السياسة العالمية، في كثير من وجوهها، ساحة صراع لاختبار من الأقوى، لا من الأذكى أو الأرحم. تتصدر مشهدها شخصيات تصنع القرار بردود فعل، لا بتفكير عميق؛ شخصيات تُفضل خوض الحروب التجارية واستعداء الخصوم، بدلًا من بناء توازن حقيقي بين القوى؛ شخصيات، حين توضع أمام العقل أو الفكر، لا تعرف إلا لغة التهديد والوعيد.
العالم اليوم محكوم بالغوغاء، لا بالحكماء. تُقاد فيه الشعوب بالغرائز: الخوف، الطمع، حب السيطرة. ويُقصى فيه العقلاء، والمفكرون، والعلماء. وقد عبّر أحدهم عن ذلك يومًا حين قال: "لو وُضع عالم أو مفكر في مواجهة أحد رموز المال أو القوة، لما كان حوارًا، بل وعيدًا!"
رأيت المال في صورة إيلون ماسك، والقوة في صورة ترامب، وتخيلت مفكرًا حرًا يقف بينهما... كيف سيكون مصيره؟
لقد انتشر الفكر الأمريكي في الثقافة والوعي الشعبي العالمي، وأصبح يُنظر إلى النجاح من خلال عدسة المنفعة الفردية، لا القيمة الإنسانية. غلب الفكر المجرد الذي يختزل الإنسان في قدرته على الاستهلاك، والتنافس، والاستحواذ.
لكن، وسط هذا الظلام، يبقى الأمل في الشعوب؛ في من لا يزال يؤمن أن القيم الإنسانية لم تمت، فيمن يحلم ببناء منصات للوعي، لا للتحكم، تعيد للعالم شيئًا من فطرته السليمة، وتقاوم النزعة الحيوانية التي تلبّست الحضارة.
وليس غريبًا أن ترى بعض القوى العالمية، كالصين، تُراهن على الهدوء والتمدد، بينما تنشغل أمريكا بالحروب الكلامية والتجارية، وتفقد تدريجيًا حلفاءها. ويكاد الاتحاد الأوروبي يتماسك بحذر، يخشى التفكك من فرط الخوف، بينما يحدّق في روسيا العجوز والصين الفتية.
أما الأمم المتحدة، التي كان يُفترض أن تكون ميزانًا للعدل، وحامية للضعفاء، فقد أصبحت، كما قال بعضهم: "محكمة أُنشئت لتحاكم المظلومين باسم القوانين التي صاغها الأقوياء." غابت عنها الروح، وتحولت إلى مؤسسة تُصدر البيانات، لا القرارات؛ وتراقب الانهيارات، ولا تمنعها.
إننا نعيش في زمنٍ غلبت فيه أدوات القوة على أدوات القيم، وتراجعت فيه الأصوات العاقلة تحت ضجيج الشعارات والمصالح، وتحوّل الإنسان من كائنٍ يبحث عن المعنى إلى كائنٍ يُستهلك ويُحرّك كقطعة في آلة ضخمة لا تعرف الرحمة.
لكن، رغم كل هذا، فإن التاريخ علمنا أن الحضارات التي تُقاد بالغرائز، تسقط ولو بعد حين، وأن كل لحظة ظلم تحمل في باطنها بذور سقوط من زرعها. وما زال الأمل قائمًا في صحوة تُعيد التوازن، في جيلٍ جديد لا يكتفي بالبكاء على أنقاض الحكمة، بل يحمل مشعلها من جديد.
جيلٍ لا يهاب أن يُفكّر، ولا يستحي أن يتأمل، ولا يخشى أن يقول:
"نريد عالَمًا تقوده القيم، لا الغرائز... يقوده العقلاء، لا المتهورون... يقوده الإنسان، لا الحيوان الذي يسكنه."
وإلى أن يأتي هذا اليوم، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل من لم يطفئ في داخله نور الوعي:
هل نُسلّم الراية للغرائز... أم نعيد للحكمة مكانها؟
