حين سقطت الأمة... في دروب الغفلة
لم تسقط الأمة دفعةً واحدة، ولم تُهزم في ساحة معركة، بل انزلقت شيئًا فشيئًا، حتى غابت عن نفسها. تعثرت في دروبٍ حفروها لها بحذق، ثم مشت إليها مختارة، مستسلمة أو مغيَّبة، حتى نسيت وجهها، وصوتها، وشمسها التي كانت تُشرق بها على العالم. سقطت يوم صمت العقل، وتقدَّس الجهل، وتحوّل الدين إلى طقوس خاوية تُمارَس فوق أنقاض الضمير. يومها رُفعت رايات الخوف باسم الطاعة، وسُحقت الأسئلة لأنها تقلق نوم السلاطين، وصار السكوت هو النجاة، والمجاملة هي الحكمة، والنجاة الشخصية بديلاً عن نجاة الأمة.
سقطت حين تغلّب الصوت العالي على الحجة، وحين صار من يفكّر مريبًا، ومن يسأل خارجًا عن الجماعة، ومن يُخطئ في لفظٍ يُمحى تاريخه كله. سقطت حين صارت المناصب تُشترى بالصمت، والفتاوى تُمنح بالولاء، والوجاهة لا تُنال إلا بمديح الحاكم وتكفير المعترض. هناك في الزوايا، كان العقل يُجلد، والقلب يُخدَّر، والشاشات تُصفق لأبطالٍ من كرتون، وتُطفئ نور كل من حمل شيئًا من ضوء.
وحين خرج المستعمر ببدنه، ترك لنا أدواته: لغته في التعليم، خرائطه في الجغرافيا، قيمه في الاقتصاد، ومرآته في الإعلام، نُشبهه ولا نعرف، ونتكلم لغته ونظنها صوتنا. أكلنا من يده، وشربنا من حبره، وصرنا نُقلّد خطاه ونحن نظن أننا نبتكر. بقي فينا دون أن يبقى، وهيمن دون أن يظهر، فصرنا نُحارب مَن يُشبهنا، ونُصفّق لمن صاغ قيودنا بأسلوب أنيق.
ثم جاء درب آخر، درب المصالح الضيقة، حيث يُدفن الضمير في درج المكتب، وتُرمى المبادئ في صندوق الانتخابات، ويصبح التفكير رفاهية لا يحتملها المناخ العام. تسلّل المال إلى الروح، فلوَّثها، وصارت الكلمة تُقال بحساب، والحقيقة تمرّ على فلتر الرغبة في الرضا. الكل يتكلم، لكن لا أحد يصدُق. الكل يُظهر النية الطيبة، لكن لا أحد يجرؤ أن يدفع الثمن. صار العقل مهددًا إن فكر، والقلب مهدد إن خفق، والأمة مهددة إن صحَت.
وفي الزاوية الأخرى، كانت النخبة تُفرّغ من جوهرها، لم تعد النخبة من يُفكر، بل من يُجيد التلوُّن. لم تعد من يُضيء، بل من يُجيد عكس صورة السلطة في حديثه، وهيام العامة في صوته. استقالت النخبة من دورها التاريخي، وصارت إما بوقًا باذخًا، أو شاهدة زور بصيغة مثقف.
ثم سقطنا أكثر… حين رُفع الحاكم فوق العقل، فوق الحق، فوق الدين ذاته. لم يعد يُسأل، بل يُسبَّح بحمده. من خالفه خان، ومن راجعه ارتد، ومن سكت سلم. واستكان الناس… لا حبًا فيه، بل هربًا من وجع المساءلة.
وما بين هذه وتلك، رحلت العقول، وهاجر الحالمون، وبقيت البلاد للأكثر ضجيجًا، والأقل فكرًا. كلما فكر واحد، خرج آخر يقول له: "أين تعيش؟ لا تتفلسف، فالزمن زمن نجاة فردية لا أحلام جماعية." صار التفكير ترفًا، والإبداع عبثًا، والنقد خطرًا على الصحة العامة!
أما الإعلام، فهو الحفل الراقص فوق الجراح. لا يروي، بل يُروّض. لا يُفكر، بل يُفرّغ. لا يُضيء، بل يُبهر. بُني ليمنعك من أن ترى، لا ليجعلك تبصر. زرع فيك صورة تقول إننا بخير، فقط لأن النشرة لم تنقل المأساة. صوّرك كعدو نفسك، وأقنعك أنك المشكلة، وأن خلاصك في أن تصمت… وأن تُصفّق.
ثم جاءت الهيمنة بأبهى حللها: استهلك هذا، واحبس حلمك هناك، وقلّد ذوقهم، وتخلَّ عن لسانك، واطمس هويتك، واشترِ ما يبيعونه لك على أنه “النجاح”. حتى صارت الأمة على هامش العالم، لا لأن مواردها شحيحة، بل لأن وعيها مُختطَف.
والدرب الأخطر… أن يُختطف الدين، ويُستخدم كأداة تهدئة، لا يقظة. أن يُمنع الحلال إن خالف السلطة، ويُشرعن الحرام إن خدم المصالح. أن يتحوّل الدين من نور إلى سوط، ومن رجاء إلى رُهاب. أن يُقال للمظلوم اصبر، وللظالم لا تقلق، فالله معك ما دام على رأسك التاج. هنا، تضيع العدالة، وتُعطَّل الرحمة، ويُقبر الوعي باسم الطاعة.
نعم، سقطت الأمة… ولكنها لم تمت. فالغفلة نوم، لا قبر. والوعي وإن تأخّر، فعودته تزلزل القبور المفتوحة، وتُقيم من تحجّرت فيهم الأحلام. يكفي صادقٌ واحد، أن يُوقظ ألف غافل. ويكفي أن تسري هذه الكلمات إلى قلبٍ لم ينم بعد، كي تبدأ المعركة التي لا تحتاج بندقية… بل ضميرًا لا يُساوم.
لعل هذه الكلمة… تكون يقظة.
ولعلّك… أنت من يُعيد أول خطوة إلى الضوء.
