كن جميلا
شعار أحببته كثيراً، وأغالب نفسي على تحقيقه؛ فنفسي تتوق إليه، وواقعي يصدمني، وعقلي يهاجمني: "لا تركن إلى عواطفك"، فأرد: "كلماته تدل على حسن نواياه، لغة جسده تبرز صدقه"، فأجعل حسن الظن دليلاً.
رنّ هاتفي في تمام الساعة الواحدة صباحاً، فقمت من نومي على صوت ابني:
– بابا، هاتفك يرن!
– ماذا؟! قلتها بدهشة، وأخذته بلهفة لأرى من؟
إنه من يجوز له أن يرنّ في أي وقت شاء، إنه صديقي منذ الطفولة.
– خيراً، فهو دائماً لا يتصل بي إلا في شدة لديه، قلت لنفسي.
سرد لي ما ظلم به نفسه ، ومن ثم عائلته، هكذا قال. فهو الماضي – مغامراته الشبابية – طلت برأسها على حاضره، ستفسده.
فقدتُ اتزاني، أوشكت أن أفقد قدرتي على التفكير، فلجأت إلى تفكير بعيد عن المشكلة.
– وأين المشكلة؟ أنا قلت .
ما قلته ماضٍ قد عفا عليه الزمن، لقد حدث في القرن العشرين. فلتعقل ما تقول! ألست ترى أن ما سردته لا يحمل إلا ذكريات؟ نتذكرها لتحيي في نفوسنا ذكرى شباب ولى ولن يعود.
ذكرى عشق تسلل إلى قلب، وما نحن بالغيه. جميعنا يتمنى أن يعود شبابه بعشقه، وشغفه، وعنفوانه، وبهجته.
أتسرد لي ذكرى، كلما حلت بذهني أخذت منها العبرة؟
أن عشق الشباب لن يعود.
عشق خالٍ من كل عيب، عشق من أجل العشق، بنظراته، وكلماته، ورسائله، وفتوره، ولهفته، وقوة عودته.
إنها ذكرى جميلة، كلما أبصرتها دفعتك لاحترام العشق لذاته، العشق الصادق، الخالي من الدنايا، والمترفع عن الصغائر، العشق الذي إن أدركته صار بيتاً تملأه ضحكات العاشقين، وأنجب ابناً يحمل قسماتهما.
وإن لم تدركه، فيبقى ذكرى جميلة لا تمحوها السنين.
كلما أبصرتها أحيت ذكرى العشق الجميل، متمنياً لها كل سعادة الدنيا، ولا آبه بما خطر بذهني.
هكذا وضحت. خشيت على نفسي – يا كاتم أسراري – من نفسي.
عد إلى حياتك، ولا تخف، فالذكرى تبقى ذكرى ولا تزد.
وذهبنا لصلاة الفجر، وراح كلٌّ منا حيث أتى.
ودارت بنا الشهور، ورنّ هاتفي. إنه من يجوز له أن يتصل في أي وقت شاء:
– ألا أراك؟
– قلت: قادم.
وتكررت اتصالاته...
– قلت: قادم.
ومن يومي اتصلت بصديقي منذ الطفولة:
– إنها كربتي، ضائقَتي.
فرد قائلاً:
– كاتم أسراري، أين أنت؟
– بجوارك. أنشدك لأجد ضالتي.
– انتظرك، هكذا توقعت الرد.
فأجاب:
– ما لي وضالتك؟! أنشدها في أهلك.
هنا عجز لساني، وانفطر قلبي، ورد عقلي:
– ! ألم أقل
