صرخة في وجه اللاوعي
أعيش صراعًا لا أجد له اسمًا إلا «اللاوعي المفروض»…
ذاك الذي تسلل خلسة إلى عقولنا، ثم أقنعنا أننا من اخترناه،
حتى غدونا نردّد ما لا نفهم، ونحيا ما لا نعي، ونطلب ما لا نريد.
كل ما يختلج في صدري هو رغبة صادقة في أن أزيح هذا الغشاء…
الغشاء الذي لم أضعه وحدي، بل وُضع على العيون جميعًا،
شعوبًا بأكملها، من الشرق إلى الغرب،
أُسرت في متاهة وهمية، تظن نفسها طليقة، وهي تقاد بخيوط خفية.
يريدونك أن تحيا، لا أن تعي.
يريدونك أن تتحرك، لا أن تفكر.
أن تستهلك، لا أن تُبدع.
أن تنتمي للسطح، وتغفل عن العمق.
كل شيء مبرمج: حلمك، خوفك، طموحك، وحتى تمرّدك…
كأنهم وضعوا للثورة حدودًا، وللغضب سقفًا، وللحرية سجونًا لا تُرى.
كل شعب له نسخة مُعدّة من «اللاوعي»، تفصّل على مزاجه وثقافته،
فلا يُثار إلا بما يسمح به الطاغية،
ولا يفرح إلا بما يُحقق غاية الجلاد.
لكنني أراهم.
أراهم وهم يضعون الأقنعة، ويصنعون السيناريوهات،
يُحرّكون الأحداث كما يُحرّك الساحر وهمه،
ثم يطلبون منك أن تصدّق... بل أن تصفّق!
أراهم وهم يسرقون وعي الشعوب الطيبة،
التي ما طلبت إلا فضيلة، فحوّلوها إلى فوضى،
وما رغبت إلا في كرامة، فابتاعوها بثمن بخس،
وما حلمت إلا برُقيّ، فجعلوه غطاءً لأطماعهم الخفية.
أيها اللاوعي المسكين…
كم خُدِعت حين صدّقت أن الصمت حكمة،
وأن الغفلة راحة،
وأن الرضا بالواقع فضيلة.
لكنها ليست كذلك.
الحكمة اليوم هي أن تصرخ.
أن تشك.
أن تسأل.
أن لا تُسلم عقلك إلا لما وعيت، لا لما أُمرِت.
إني أكتب لا لأُرضي قارئًا…
بل لأهزّ نائمًا.
لا لأقول ما يُعجب، بل ما يُوقظ.
فما عاد في العمر متسعٌ للمجاملة،
ولا في العقل مكانٌ للمزيد من الأقنعة.
هي صرخة…
لا في وجه الطغاة، فهم لا يسمعون،
بل في وجه اللاوعي الذي سكننا…
علّه يرتجف، ويقوم.
