حماة الفضيلة ثلاثة
الفضيلة ليست غرساً يُستعار من تقاليد الناس، ولا وهماً تفرضه شرائع السلطة، بل هي جوهرة مودعة في أصل الفطرة. غير أن لهذه الجوهرة حراساً ثلاثة، لو غاب واحدهم لانطفأ نورها، أو استباحتها الأهواء.
أول الحماة: الفطرة السليمة، وهي الأصل الأول، النقاء الذي خُلق عليه الإنسان قبل أن تعبث به يد المجتمع أو زخارف الشهوات. إنها البوصلة الخفية التي تشير دوماً إلى الخير، وإن حُجب عنها الطريق.
وثانيهم: الضمير الحي، ذلك الصوت الصامت الذي لا يُشترى ولا يُباع، فإذا نام ماتت الفضيلة، وإذا استيقظ أيقظ ما خمد من نورها. الضمير هو الحارس الداخلي، الذي يذكّر النفس إن زلت، ويوبّخها إن فرطت.
وثالثهم: العقل الرشيد، ذلك النور الذي يزن الأفعال بميزان الصواب والخطأ، فلا يكتفي بالعاطفة ولا يركن إلى الغريزة. هو الذي يردّ على شبهة المبررات، ويهدم أبراج الوهم التي يبنيها الهوى.
فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، استوت الفضيلة على عرشها، محصنة من كل طاغية داخلي أو خارجي، لا يملك الهوى إليها سبيلاً، ولا يستطيع الفساد أن ينفذ من ثغورها. وحين تغيب، يصبح الإنسان رهينة نزواته، أسيراً لمجتمع أعمى، أو تابعاً لسلطة عابثة.
الفضيلة ليست درساً نتعلمه ثم ننساه، ولا شعاراً نعلّقه في لحظة حماس، بل هي عهد داخلي بين الإنسان وربه، لا يقوم إلا بحراسها الثلاثة. من حفظ فطرته، وأيقظ ضميره، وأعمل عقله، فقد حاز حصناً لا تهدمه الليالي ولا تقتحمه الخطايا. ومن أهملهم، ترك نفسه عارية في مهب الريح، تتقاذفها شهوات الجسد وأوهام العقول. إن حماة الفضيلة ليسوا مجرد شروط، بل هم سرّ بقاء الإنسان إنساناً.
