سرير ترامب… وانطفاء المسرح
السياسة في جوهرها ليست سوى مسرحٍ كبير، تتعاقب عليه الأضواء وتتعاقب معه الوجوه. من يظن نفسه البطل المطلق، سرعان ما يكتشف أنّه مجرد ممثل عابر في نصٍّ يكتبه الزمن بقلمٍ أبقى وأقوى.
في هذا المشهد، حاول ترامب أن يُجري واحدة من أخطر رهاناته السياسية: احتواء بوتين وفصله عن شي جين بينغ. كان يعتقد أنّ موسكو ما زالت تبحث عن موطئ قدمٍ في الغرب، وأن وعدًا أمريكيًا مدروسًا قد ينجح في شقّ التحالف الروسي–الصيني الذي يتنامى في وجه الهيمنة الأمريكية.
لكن بوتين، ببراغماتيته المعهودة، التقط الخيط وأوحى لترامب بما يشبه الموافقة. أعطاه الإشارة التي تُبقي على الأمل حيًّا، وتركه يترقب الرد الروسي، وكأن العالم ينتظر كلمة واحدة من الكرملين. وهكذا عاد ترامب إلى واشنطن ممسكًا بالوهم كمن يمسك جمرةً يظنها مصباحًا.
خمسة أيام كاملة غاب ترامب خلالها عن الأضواء. كان غيابًا مثقلاً بالأسئلة: أهو مرض الجسد؟ أم مرض الحقيقة حين تسقط أقنعتها؟ وحين عاد، لم يعد بوجه المنتصر، بل بلسان رجلٍ منكسر يقول علنًا:
"لقد أصابني بوتين بخيبة أمل كبيرة."
لكن الفراغ الذي خلّفه الغياب الأمريكي لم يطل. فقد خرج شي جين بينغ إلى المسرح العالمي بابتسامةٍ هادئة وتصريحٍ صريح:
"الصين لا يمكن إيقافها… وعلى العالم أن يختار بين الحرب أو السلام."
بهذه العبارة القصيرة، نقل شي المعركة من خانة الاستعراضات الفردية إلى خانة الحقائق الكونية. لم يعد العالم أمام هيمنةٍ أمريكية مطلقة، بل أمام قوة جديدة تفرض معادلة واضحة: إما الاعتراف بالصعود الصيني، أو المضي نحو صدامٍ يعيد تشكيل وجه الحضارة الإنسانية.
وعندها، لم يجد ترامب إلا أن يعلّق بمرارة على احتفالات بكين الضخمة بمشاركة بوتين وكيم جونغ أون، مغردًا على "تويتر":
"شعب الصين الرائع… احتفلوا أنتم وبوتين وكيم، وأنتم تتحالفون ضد الولايات المتحدة الأمريكية."
هكذا، من استقبالٍ مهيب إلى سريرٍ صامت، ومن وعودٍ كبرى إلى خيبةٍ مُعلنة، طُويت صفحة من التاريخ. لقد ظن ترامب أنه سيد العرض، فإذا بالزمن يطفئ أضواء المسرح من حوله، ويُسلّطها على لاعبٍ جديد.
إن اجتماع بكين لم يكن مجرد احتفالٍ سياسي؛ كان إعلانًا فلسفيًا بانتهاء القطب الواحد. فالقرن الحادي والعشرون لن يُدار بيدٍ واحدة، والعالم بات أمام مفترق طرق: إما أن يقبل بالتعددية الجديدة، أو يغامر بانزلاقٍ نحو حربٍ قد تعيد تشكيل حضارته كلها.
والحقيقة التي لا مفر منها أن التاريخ لا يُدار بالعناد، والزمن لا ينتظر من يتأخر عن إدراك لحظاته الفارقة. لقد بدأ عصر جديد، ومَن لم يفهم معناه سيُطوى مع الماضي كما طُويت وجوه كثيرة قبله.
وسيظل احتفال بكين علامة فارقة، تاريخًا يُسجَّل كبداية خروج العالم من
قبضة الهيمنة الأمريكية.

