عندما يتحدّث الكبار
منذ أن ألقت الولايات المتحدة قنبلتها النووية على اليابان، لم يعد العالم كما كان. لم تكن هيروشيما وناغازاكي خاتمة حرب طاحنة، بل كانتا إعلانًا لميلاد إمبراطورية جديدة خرجت من رحم النار والرماد، لتقول للغرب الأوروبي، وللعالم أجمع: "ها قد ورثت زمام القيادة، فكونوا على أثري." ومنذ ذلك اليوم صار الكلام في واشنطن قانونًا، والقرار فيها قدرًا، والآخرون بين تابعٍ ومترقب، لا يملكون سوى التماهي مع إيقاعها أو تحمل عواقب الخروج عن اللحن.
لكن الزمن ليس جامدًا، والإمبراطوريات ليست أبدية. فكما سقطت روما بعد أن دانت لها الأرض، وكما انحسر نفوذ بريطانيا بعد أن قيل عنها "لا تغيب عنها الشمس"، ها نحن اليوم نشهد شروخًا في جدار الهيمنة الأمريكية. بالأمس صرّح شي، واليوم أُجبرت إسرائيل على تعليق خطتها لاجتياح غزة بقرار أميركي مباشر، وكأنّ الرسالة للتابعين: "لم يعد هناك وقت لمغامراتكم الصغيرة؛ صراعنا الأكبر يطرق الأبواب."
إنه مشهد يلخص اللحظة: أميركا تدير معاركها بعين على الشرق الأوسط وعين أخرى على بكين وموسكو. أما الصغار هنا فيختنقون؛ لأن أنفاسهم مرهونة بأنفاس الكبار. فإن تنفس هؤلاء بارتياح أُطلق لهم بعض الهواء، وإن ضاق صدرهم خُيّروا بين الصمت أو الانسحاق.
أوروبا: جوقة بلا مايسترو
في الجانب الأوروبي من المشهد، يبدو الطموح أكبر من القدرة:
ماكرون لا يعدو أن يكون ديكًا يصيح في كل صباح، يملأ الدنيا ضجيجًا، لكن صوته لا يُغيّر من مسار الشمس شيئًا.
شولتس جلس على مقعد ميركل، لكن المقعد أكبر منه؛ لا هو قادر على سدّ فراغها، ولا على أن يثبت حضورًا وازنًا، فبدا كالمغرور الذي يملك الكرسي ولا يملك القوة.
ستارمر دخل المسرح العالمي كهاوٍ بلا نص، يتلعثم أمام بروتوكولات السياسة الكبرى، فلا هو زعيم عمالي متماسك ولا رجل دولة عالمي.
جورجيا ميلوني تبدو كمن فقدت صوتها وسط سوق صاخب، لا تقول شيئًا حتى لا تُسحق.
أما اليونان فما زالت مثقلة بديونها، شعبها يئن ومؤسساتها على وشك الانفجار، فلا قرار مستقل ولا قدرة على التمرد.
هكذا تبدو أوروبا: أصوات كثيرة، لكن بلا قائد حقيقي؛ جوقة بلا مايسترو، تتوزع ألحانها بين التبعية لواشنطن وبين خلافات داخلية لا تنتهي.
الشرق: حيث يتكلم الفعل
وعلى النقيض تمامًا، يقف الشرق بملامح مغايرة:
شي يتباهى بقوة اقتصاد صارت به الصين مصنع العالم، ويُلوّح بذراع عسكرية تستطيع أن تمتد إلى أي بقعة في الأرض.
وروسيا، رغم العقوبات والحصار، لا تزال تُذكّر العالم بمجدها، تارة تتوارى خلف الصين، وتارة تخرج بملامح قوة نووية تفرض حضورها.
أما بقية الدول، من آسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، فهي تترقب بصمت، تنتظر لحظة سقوط الهيمنة، لعلها تجد متنفسًا ومساحة للحركة.
خاتمة: بين الصيحة والصمت
المفارقة صارخة: أوروبا تصيح كجوقة بلا مايسترو، تكثر فيها الأصوات وتقل فيها الأفعال. في المقابل، يقف التنين الصيني وصديقه الروسي بلغة الفعل لا القول. وبينهما تتراجع أميركا إلى الداخل، مضطرة إلى "انكماش محسوب" لحماية عرشها من التصدع.
إنه عصر التحوّل؛ حيث لم يعد الصدى الأميركي يملأ الدنيا كما كان، وحيث صارت صيحات الغرب الأوروبي تتلاشى، بينما صمت الشرق المهيب يتكلم بأفعال محسوسة. وربما يكون اختناق الصغار اليوم هو المخاض الذي يولد منه وعي جديد، يعيد تعريف القوة والهيمنة، ويمنح العالم فرصة للتنفس خارج ظل الإمبراطوريات.

مقال جميل جدا ومعبر عن الواقع لك تمنيت انك عندما استشهدت بالإمبراطوريات المندثرة ذكرت ما يخصنا ويخص العالم أقوى الإمبراطوريات في العالم كالعثمانية والأموية ولاا ننساق للسردية الغربية انو الأقوى كانوا هم ،، وشكرا لك