في زمن التيه... يُصفّق الغافلون ويغيب الحكماء
ليست الكارثة في غياب الحقيقة،
بل في انطفاء الساعين إليها ،
وفي تبدّل الموازين حتى بات الصراخ فكرًا، والتسطيح حكمة.
أبصر هذا التداخل الفكري المربك…
تلك الفوضى التي عصفت ببلادٍ أُفرغت من مثقفيها،
إذ رحلوا إلى حيث المنفعة،
وقايضوا الكلمة بدرهم،
وباعوا ما أوتوا من موهبة، لمن يدفع أكثر.
فوا أسفاه على من أُهدي إليهم نور العقل،
فلم يصونوه، بل سلّموه إلى أسواق المنفعة الرخيصة.
أما من تبقى، فشتات من المتعلمين،
يتناظرون دون أدوات،
ويخوضون في كل شأن دون فقه أو دراية.
كلماتهم لا تلامس جوهرًا،
وآراؤهم لا ترقى حتى لقشور المعرفة.
لكن الصدمة الأكبر،
أن الغافلين يصفقون!
يهلّلون لكل مظهرٍ فارغ، ويهيمون بكل صوت مرتفع،
فكأن الإغماء الفكري قد بات طقسًا جماعيًا،
وكأن السطحية أصبحت مرجعية.
أما أصحاب الفكر الحقيقي،
فقد آثروا الغياب،
لا خوفًا ولا هروبًا،
بل رفضًا للمشهد برمّته.
تواروا عن العيون، وابتعدوا عن صخب المنصات،
نأوا بأنفسهم عن محرقة الضجيج،
واختاروا العزلة وقارًا،
والصمت موقفًا، لا عجزًا.
وفي زمنٍ كهذا،
تغدو المعرفة سلعة،
والرأي سلطة،
والوعي غريبًا بين أهله.
ما نراه اليوم ليس تنوّعًا فكريًا، بل تيهًا بلا بوصلة،
وضجيجًا بلا مضمون،
وسوقًا للآراء، لا محرابًا للمعرفة.
ولكن...
يبقى بعض الحبر النظيف،
وبعض الوعي الصامت،
وبعض النور،
ينتظر من يراه.
أيها الغافلون...
أما آن لكم أن تصحوا من سبات التصفيق؟
أن تسألوا: من نُصفّق له؟ ولماذا؟
أن تميزوا بين من يثير الجلبة، ومن يزرع الفكرة؟
بين من يُسكر العقول بشعارات رخوة،
ومن يوقظها بصمتٍ ثقيل المعنى؟
كفّوا عن اللهاث خلف اللامع…
فالذهب لا يصرخ،
والنور لا يُبالغ،
والحق لا يحتاج مكبّر صوت كي يُسمَع.
عودوا إلى عقولكم…
ففي زواياها، ما يكفي لبناء وعيٍ لا تتيه به أقدامكم في الزحام.
وفي ضمائركم ما يكفي لرفض هذا الهبوط الجماعي.
افتحوا أعينكم…
فالخطر ليس في من يقود،
بل في من يتبعه دون أن يسأله إلى أين؟
