من يشكل وعيك؟
في زمن لم تعد الحقيقة فيه تُعرض كما هي، بل تُنتج وتُسوّق وتُبرمج بعناية، يصبح الوعي الإنساني نفسه ميدانًا للصراع. لم تعد الحروب تقام على الأرض فقط، بل أصبحت تُخاض داخل العقول، تُشكّلها وتُعيد صياغتها وفق مصالح القوى المهيمنة.
لقد أدركت القوى الكبرى قديمًا أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أداة لصناعة التصورات وإدارة الانطباعات. فالإعلام لا يروي ما جرى، بل يقرّر كيف يجب أن نراه.
من هنا، لم يكن غريبًا أن تتحول وسائل الإعلام الكبرى إلى أدوات لتوجيه الرأي العام العالمي، وفق سياسات واضحة ومصالح استراتيجية.
خذ مثلًا شبكة - بي بي سي - ، التي تُقدَّم للبعض على أنها صوت حيادي يعكس تعددية الرأي. لكنها في الحقيقة تابعة للدولة البريطانية، وتُمنع فيها الإعلانات المدفوعة لا دفاعًا عن ذوق الجمهور، بل لتُضفي على خطابها طابعًا مهنيًا مُنضبطًا، لا تشوشه نزعة السوق، بينما تظل في جوهرها أداة لتشكيل الوعي العام بما يخدم سردية الدولة البريطانية ومصالحها.
أما شبكة - سي إن إن - ، فهي واجهة إعلامية تمثل توجهات النخبة الرأسمالية في أمريكا، وتُستخدم ببراعة لتأطير القضايا بما يخدم النموذج الليبرالي الأمريكي، فتُمنَح قضايا معينة حجمًا مبالغًا فيه، ويُقصى غيرها عن دائرة النقاش.
لكن التحول الأهم لم يكن في الإعلام الرسمي وحده، بل في ولادة ظاهرة السوشيال ميديا، والتي أخرجت السيطرة من يد المؤسسات التقليدية ووضعتها في خوارزميات بلا ملامح.
فيسبوك، تيك توك، يوتيوب، إنستغرام، إكس (تويتر سابقًا)... لم تعد منصات للنشر فقط، بل منصات لإعادة هندسة السلوك الإنساني. أنت لا تختار ما تشاهد، بل يُختار لك بناءً على تحليل دقيق لتصرفاتك، ميولك، وحتى لحظات تفاعلك الصامت.
وهنا لا بد من التذكير بما جاء في تقارير مثل وثائق كامبريدج أناليتيكا التي كشفت كيف استُخدمت بيانات المستخدمين للتلاعب بقراراتهم السياسية في الانتخابات، ومنها الانتخابات الأمريكية والبريكست. فالمعركة لم تكن على صناديق الاقتراع، بل على العقول قبل أن تصل إليها صناديق الاقتراع.
وما زاد المشهد تعقيدًا، هو دخول الذكاء الاصطناعي على الخط.
الذكاء الاصطناعي اليوم لا يكتفي بتحليل المحتوى، بل يقرأ الإنسان نفسه: أنماط تفكيره، تحوّلات مزاجه، ميوله اللاواعية.
الأمر لم يعد محصورًا في الترفيه أو الإنتاج، بل أصبح ذكاءً قادرًا على محاكاة الخطاب البشري، وصناعة محتوى يبدو حياديًا، لكنه مبرمَج بدقة ليحمل في طيّاته رسائل موجّهة، وفق خلفية ثقافية أو سياسية محددة.
أدوات مثل - شات جي بي تي ، جيمني ، بارد - وغيرها ليست محايدة بالكامل — فكل منها يستند إلى قواعد بيانات وقيود أخلاقية تفرضها الشركات المطوِّرة وفق ثقافتها ورؤيتها، مما يعني أن هذه الأدوات قد تُمثّل (بوعي أو دون وعي) امتدادًا لمنظومات فكرية بعينها.
وهكذا، يصبح السؤال الحتمي:
من يشكل وعيك؟
هل ما تعرفه هو نتاج بحث حرّ، أم نتيجة محتوى قُدِّم إليك بخوارزمية محسوبة؟
هل أفكارك نابعة من تأمل داخلي، أم نتيجة ما أرادوه لك أن تفكّر فيه؟
هل ما تتفاعل معه كل يوم يعكس حقيقتك، أم
يعكس مصالح من يملكون المنصة؟
فكن ذا وعي وأعلم من يشكل وعيك.
