اغتيال العقول... لهدم الأوطان
ليست المدافع ولا الطائرات هي ما يهدّم الأوطان اليوم، بل فكرة خبيثة تُزرع في عقل، ثم تنبت فوضى، وتثمر انقسامًا، وتحصد وطنًا بأكمله.
لم تعد الحرب كما نعرفها. لقد تطوّرت، تحوّلت من معركة على الأرض إلى معركة في الوعي. من اشتباك بالسلاح إلى اشتباك بالمفاهيم. من اقتحام للحدود إلى اقتحام للعقول.
يحدث أن يعيش الإنسان في وطنه، ويُغسل عقله حتى يكرهه. يحدث أن يُربّى في أرضه، ثم يُقنع بأنه غريب فيها. هذه ليست خرافة. هذه حروب الجيل الرابع والخامس.
الجيل الرابع من الحروب لا يحتاج إلى دبابة، بل إلى شائعة.
ولا يُطلق رصاصة، بل يزرع فتنة.
أما الجيل الخامس، فله سلاح أخطر: يُفكك الهوية من الداخل، ويدفعك لتسليم نفسك له دون أن تُدرك.
هنا، لا يُطلب منك أن تُقاتل، بل أن تُصدّق الأكذوبة.
أن ترى وطنك جحيمًا، وعدوك منقذًا.
أن يُربّى جيلٌ على كره تاريخه، وشكّ عقيدته، واحتقار نفسه.
الهيمنة العالمية لم تعد تبني إمبراطوريات بالاحتلال، بل تبنيها عبر صناعة "الإنسان الخانع"، الذي يُقاد طوعًا لأنه لم يعُد يملك يقينًا ولا وعيًا.
العدوّ لا يدخل بوابة الوطن حتى يُغلق أولًا بوابة العقل.
يُغلقها بالترفيه المفرط، بالإعلام المشوّه، بالتعليم الفارغ، بالأزمات التي تُربك التفكير.
ثم يُظهر نفسه كطوق نجاة، بعد أن كان هو من أغرق السفينة.
فإذا بشعوب كاملة تنهار، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن عقلها لم يعد يثق بذاته.
الوعي اليوم لم يعُد ترفًا، بل درعًا. لم يعُد رفاهية المثقف، بل ضرورة النجاة.
والمعركة الأولى ليست في الجبهة، بل في المدرسة، والمنزل، وصفحات الإنترنت.
أيها القارئ… إنك مستهدف، لا بجسدك، بل بعقلك.
وأنت الجندي… لا ببندقيتك، بل بوعيك.
فاحذر أن تُسلّم ذاتك قبل أن تُسقط وطنك.
واعلم أن العقول إذا اغتيلت… تبعتها الأوطان.
