بين يدي الله تأملات في حدود العقل ومطلق الخلق
بقلم حمدي المصري
بين يدي الله، أقفُ متسائلًا لا متشككًا، متأملًا لا مجادلًا.
أسأله رجاء الفهم، لا رياء العلم:
كيف خلق الكون؟ وعلى أيّ نظامٍ قام؟
هل السماءُ حدُّ الممكن واللاممكن؟
هل للمادة صورٌ أخرى لم نُدركها بعد؟
أين ينتهي المستحيل الإنساني؟
وهل ما بعد السماء لا نهائيٌّ كما يتوهّم العقل، أم أن للّانهاية حدًّا لا يعلمه إلا الخالق؟
هي أسئلةٌ تتولّد من رحم العجز، لا لتنازع قدرة الله، بل لتزداد يقينًا بها.
فالعقل، كلما أقرّ بحدوده، انفتح له بابٌ من النور يقوده إلى خالقه،
وكلما ظنّ أنه بلغ منتهاه، انطفأ عند أول حدود قدره.
تأملتُ في السماء، فرأيتُها محكمةَ البناء، لا فُروج فيها ولا خلل.
كأنها سقفٌ كونيٌّ يحفظ توازن الخلق ويضبط حركتهم في مدارٍ معلوم.
فلكل كوكبٍ غلافه الذي يحميه، وقانونه الذي يربطه بمركزه،
ولكل جرمٍ جاذبيته التي تمنع الفوضى وتُبقي الكون في طاعةٍ لنظامه الرباني.
ولعلّ السماء في جوهرها ليست فراغًا كما نظن،
بل غلافٌ كونيٌّ جامع يحفظ الكواكب مجتمعةً كما يحفظ الغلافُ الجويُّ الأرض،
ذلك الغلاف الذي لو اختلّ لحظة، لاختلّ كل شيء.
فكيف بسماءٍ وسعت المجرّات كلَّها، تُترك بلا نظامٍ أو تقدير؟
ثم خطر لي أن الزمان والمكان، كما قال العلماء والفلاسفة، ليسا جوهرين منفصلين، بل توأمان وُلِدا من مشيئة الخالق.
لكنّي أراها رؤيةً روحيةً لا ماديّة؛
فالزمان قانونٌ إلهيٌّ يظهر من خلاله الوجود المكانيّ،
ومن هنا كان اتّحاد الزمان بالمكان آيةً على وحدة الخلق تحت سلطان الله الواحد.
وكل فيضٍ إلهيٍّ يفيض الله به على عبدٍ من عباده،
إنما هو رسالة نورٍ وهدًى في دُجى الإدراك البشريّ.
فالعلم قبسٌ من علم الله، لا يُمنَح جزافًا، بل لمن استعدّ قلبه وصدق في طلبه.
إنه عهدٌ ربانيٌّ، لا يُؤتاه المتكبرون ولا يُحرم منه المخلصون.
أفلا ترى أن كل اكتشافٍ عظيم بدأ بخاطرةٍ في عقلٍ صادقٍ آمن أن الحلم بابُ الفتح؟
ثم شاء الله أن يختصّ بها من يشاء، ليكون حاملًا لأمانة النور؟
فالعلم ليس ملكًا للإنسان، بل أمانةٌ ربانية،
ومن حملها بغير إخلاصٍ ضلّ بها،
ومن حملها بتواضعٍ صار بها هاديًا للخلق.
ولو كان العلم بيد الإنسان وحده، خاضعًا لإرادته وتجاربه،
لفقد الكون جوهره وانفرط نظامه.
فالعين التي نرى بها محدودة البصر، ولو زادت قوتها، لعميت من كثرة ما ترى.
وكذلك العقل، محدود الإدراك لا قصورًا، بل رحمة.
فلو أُطلِق له كل باب، لتاه في كثرة الطرق وضاع عن المقصد.
إن محدودية العقل والبصر ليست قيدًا على الإنسان، بل حفظٌ لتوازنه.
هي حكمةُ الخالق كي يبقى الإنسان عبدًا سائلًا، لا ربًّا متسلطًا.
فالمحدود هو مرآة اللامحدود،
والعجز هو الذي يفتح باب الإدراك لا الغرور.
ثم وجدتُ في قول ربي جلّ شأنه:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
السرَّ الذي تقوم عليه السماوات والأرض.
فالقدر هو النغمة التي تُمسك الوجود في انسجامه،
وبه اعتدلت قوى الجذب والنفور، والنور والظلمة، والعلم والجهل.
هو ميزان الرحمة قبل أن يكون قانونًا،
جعل من النقص كمالًا، ومن الحدود بابًا إلى اللامحدود.
فسبحان من جعل لكل شيءٍ حدًّا،
ولكل حدٍّ حكمة،ولكل حكمةٍ غاية لا يعلمها إلا هو.
خاتمة
العلمُ فيضٌ من علم الله، لا من صنع الإنسان.
هو رسالةٌ إلهيةٌ للبشر، تُهدى لمن أخلص قلبه وسعى بنيةٍ طاهرة.
وكل نورٍ في العقل هو دعوةٌ من الله إلى أن يُعرف،
وكل صدقٍ في البحث عن الحقيقة هو خطوةٌ نحو لقائه.
إنّ العلم عبادةُ العقول،ومنزلُ القلوب الطاهرة،
ولا يُؤتى إلا لمن فهم أن الحقيقةَ ليست امتلاكًا،
بل عطيةٌ من ربّ الحقيقة.
