من ترامب... وإليه تعود الدائرة
كيف تهبط أوامر الهيمنة من قصر أبيض في واشنطن إلى قلب عبد الصمد في قريةٍ منسية؟
يا سيدي،
يخيّل للبعض أن الهيمنة تحتاج إلى جيوش،
لكن الحقيقة أن الهيمنة الحديثة لا تُرسل دبابات، بل تُرسل أفكارًا،
لا تفتح أبواب البلدان، بل تفتح أبواب العقول،
فإذا انفتحت العقول، دخلت أوامر ترامب دون أن تُدركها الحواس.
في أعلى الهرم، يجلس ترامب، أو من يشغل كرسيّه في لعبة السيطرة.
لا يعرف عبد الصمد، لا يسمع باسمه، لكنه يعرف ما يزرع في ذهنه،
يعرف أن عبد الصمد سيقف في القرية يهتف بما كُتب في وثائق البيت الأبيض.
▪️ أول الخيط: من رأس الهرم
يصدر ترامب الأوامر بلا أوامر،
كل ما عليه أن يفعل هو أن يرفع الغطاء عن مشروع "الفوضى الخلاقة"،
فيضطرب الشرق الأوسط، وتنتشر الفتن، وتتفتت الهوية،
وتُولد جماعات، وتُستنسخ معارضات، ويُختلق أبطال.
ثم، ومن بعيد، يبدأ تسلسل الهيمنة:
▪️ تركيا: دولة الولاية الفكرية
ترجمة ناعمة للرسائل، ملفوفة بعبارات: "التمكين"، "الخلافة"، "النهضة".
تحوّل الخطاب الإمبراطوري إلى حلم ديني.
من هناك، تبدأ صناعة الجماعات، وتنظير الفقه السياسي، وتصدير الفتاوى المدججة بالحنين.
▪️ قطر: دولة الولاية المالية
تموّل، تنفّذ، تضخّ، تُشيّد الواجهات الإعلامية،
تمنح الغطاء والدولار، وتُنفق بسخاء دون سؤال.
إنها الصرّاف في بنك الهيمنة.
▪️ رأس التنظيم
يجمع الخيوط: أموال قطر، فكر تركيا، وضوء أخضر لا يُرى من أمريكا.
فيظن نفسه قائداً، وما هو إلا منفذٌ في حيزٍ مرسوم له، لا يخرج منه.
▪️ الدعاة والناشطون
هم رسل الخطة في الداخل،
يطرقون عقل عبد الصمد، يحدثونه بلغة الدين، يُشعلون وجدانه،
ثم يدفعونه نحو الهتاف، والجهاد، والخصومة،
وكل ذلك… دون أن يعرف عبد الصمد أنه ليس على طريق الله، بل على طريق "الرسالة الأميركية".
▪️ عبد الصمد
عبد الصمد، الفلاح الطيب، المحب لله، الذي لا يملك من الدنيا إلا نية طاهرة،
بات جنديًا في معركة لا يفهم خريطتها.
صار يهتف، يقاتل، يُكفّر، ويُسجن، وهو لا يدري أن صوته...
قد كُتب أول مرة في وثيقة سرية في البيت الأبيض.
ثم تدور الدائرة
فجأة، يُسجن عبد الصمد،
وبينما هو هناك، يخرج شخص آخر: آية حجازي.
فتاة مصرية أميركية، اعتُقلت لأسباب محلية،
لكنها خرجت بأمر مباشر من ترامب نفسه.
نُقلت بطائرة خاصة، واستُقبلت في المكتب البيضاوي،
وصافحها الرئيس الأمريكي مبتسمًا كمن يُعلن:
"نحن نُخرج من نشاء، ونُبقي من نشاء."
ويطول مقام عبد الصمد في زنزانته،
ثم يأتي الدور على علاء عبد الفتاح،
ابن حضارة الصورة،
رمز ثوري مُعتمد دوليًا،
خرج بعد ضغط دولي، ومؤتمرات حقوقية،
خرج كجزء من صفقة، لا كجزء من عدالة.
أما عبد الصمد؟
فبقي،
لم يعرفه الإعلام، ولم تكتب عنه نيويورك تايمز،
لم يُترجم له منشور، ولم يطلبه ترامب،
لأنه ببساطة ليس ضمن السيناريو.
ليس مادة خام للظهور، ولا يُفيد في هندسة الوعي الجماعي العالمي.
الخاتمة: هل أدركت اللعبة الآن؟
هذه هي أعظم صور الهيمنة:
أن تُصدر الأوامر من واشنطن،
فتصل إلى مسجدٍ صغير في قريةٍ نائية،
ثم تعود إلى واشنطن في صورة إنجاز:
"لقد أعدنا ترتيب الشرق الأوسط!"
بينما عبد الصمد ما يزال يركع لله، ولا يدري أنه جُنّد لخدمة من لا يركع لأحد.
ترامب، أيها السادة،
يبدأ القصة، ويغلقها،
هو من يخلق الأبطال، وهو من يختار السجناء،
هو من يدير الكاميرا، وهو من يُطفئها،
هو من يُصدر الأوامر…
وإليه تعود الدائرة.

