نداء من قلب اللاوعي
ماذا لو اجتمع أصحاب الوعي من كل أطراف الأرض؟
ماذا لو تلاقى أولئك الذين لم تنطفئ في صدورهم جذوة الفهم،
الذين أدركوا أن الحياة بلا وعي ليست حياة،
وأن الجهل لا يورث إلا الذل،
وأن الغفلة ليست راحة، بل انتحار بطيء للروح والعقل والكرامة؟
أكتب إليكم، لا من برجٍ عاجي،
ولا من رفاهية فكر مترف،
بل من عمق الألم، من قلبٍ عربيٍّ أدماه ما يرى،
من أرضٍ أرهقها التبلّد، وأنهكها الصمت،
من شعوبٍ أُغرِقت في الفوضى، حتى نسيت أنها كانت يومًا تصنع الحضارة.
إننا نعيش وسط أممٍ نُهبت منها إرادة التفكير،
قُيِّدت ألسنتها بسلاسل الخوف،
وسُيِّرت عقولها بالخداع المُمنهج،
حتى صارت لا تفرّق بين الحق والباطل، بين النور والظلمة،
حتى أصبح اللاوعي هو القائد، وهو السيد، وهو القانون.
ولكن... هل انتهى الأمر؟
هل استسلمنا؟
هل نرضى أن نبقى متفرجين على خرابٍ نعرف جيدًا كيف بدأ،
ونعرف أكثر كيف يمكن أن ينتهي؟
لا… وألف لا.
إنها صرخة من قلبٍ امتلأ وعيًا، فلم يعد يحتمل الصمت،
صرخة إلى كل عقلٍ ما زال ينبض بالحياة،
إلى كل مثقف لم تروّضه السلطة ولا المال،
إلى كل قلبٍ اختار أن يشارك في لعبة الوعي لا أن يكون ضحية لها.
أيها الأحرار…
يا من في أعماقكم وهجٌ لم ينطفئ…
أمدّ إليكم يدي، لا طلبًا للشفقة، بل شراكة في المعركة.
معركة ضد الجهل، ضد الاستكانة، ضد أنصاف العقول.
فلنجعل من وعينا طوفانًا يغسل به الله أرضًا كادت تموت،
ولنحمل كلماتنا كالسيوف، لا لنُدمِي بها أحدًا،
بل لنقطع بها حبال التزييف، ونحرر بها العقول التي طال نومها.
لسنا بحاجة إلى جيوش،
نحن بحاجة إلى فكرة،
إلى قلم،
إلى صوت لا يخاف.
يا أصحاب الرسالات الصامتة،
يا أنقياء القلوب، يا فقراء المال وأغنياء البصيرة،
كونوا معي… لا نريد جمهورًا، نريد جنودًا.
نريد من يؤمن أن إصلاح العالم يبدأ بكلمة تُقال في وقتها،
برفضٍ هادئ لكنه صلب،
بحبٍّ عاقل لا يخدع ولا يُخدع.
فهبّوا أيها النبلاء،
ارفعوا رؤوسكم،
افتحوا نوافذ الوعي في صدور الناس،
أعيدوا للعقل بهاءه، وللحرية طهرها، وللحقيقة صوتها.
فإن لم نكن نحن، فمن؟
وإن لم يكن الآن، فمتى؟
