.....عن النُّبل أتحدث
عن النُّبل أتحدث،
عن تلك الخصلة النادرة، التي لا تُولد في ضوء الأضواء، ولا تُزهر في أرض التكلّف،
بل تنبت في النفس التي طهُرت من الخيلاء، وتجردت من الغرور، وصَفَتْ روحها، ونقّى صاحبُها قلبه، وتهذّب عقله.
النُّبل، سيدي، ليس أدبًا في اللسان فقط،
بل خلقٌ يسكن الأعماق، ويصنع في صاحبه إنسانًا يترفّع عن الصغائر، ويهفو إلى المعاني السامية،
فلا تراه حيث يُكال المديح، بل حيث يُرجى الصدق،
ولا يُعرف من فخامة قوله، بل من سكون فعله، وصفاء أثره.
هو من تزوّد من أنبل ما في الإنسان من معنى،
فصار فعله رسالة، وصمته حكمة، وعفوه بطولة،
حتى إذا مشى على الأرض، حسبته يمشي على خطى الملائكة والحكماء وعظماء الإنسانية،
لا يدّعي، ولا يزهو، ولا يلتفت ليُقال: ها هو ذا النبيل!
النبل لا يُستعار، ولا يُصطنع،
لأنه ثمرُ تربية النفس الطويلة، ومجاهدتها في زمن الغرائز، وغربتها في دنيا الحسابات الضيقة.
النبيل، إن أحسن، ستر،
وإن عفا، نسي،
وإن أعطى، توارى،
لأن الكرام يرون في الخفاء سموًّا، وفي الصمت وقارًا، وفي التواضع رفعةً لا يدركها المتكلّفون.
عن النُّبل أتحدث،
عن الذين لا تُخطئهم الفطرة السليمة،
ولا تنساهم الذاكرة النقيّة،
لأنهم مرّوا علينا يومًا، فأيقظوا فينا شيئًا من الإيمان بالإنسان،
وغادروا دون أن يلتفتوا،
لكنّ أثرهم… لا يزال يسكننا، كأنه نورٌ يتردّد في الضمير كلما خفتت الأصوات من حولنا.
