من ثُقبٍ بابي… رأيتُ ما أوجعني
كلماتي هذه – مجرّدُ رأي – وإن مالَت إلى تبسيطِ الصورة، فهي تحملُ في طيّاتها رؤيةً من ثقبِ بابي.
ومن هنا أقول:
من ضمنِ مساوئِ العقليةِ الغربيةِ: الاهتمامُ بالصورةِ لا بالكلمة.
فجعلوا الصورةَ تنطقُ بما لا تنطقُ به الكلمة،
وهذا – وإن بدا جذّابًا – أفرز عقليةً سطحيةً، زائفةَ الفكرِ، سريعةَ التلقّي، بعيدةً عن العمق.
ألا توافقني أنّ الحضارةَ الغربية – الحالية – امتدادٌ لفكرٍ منقولٍ لا جذورَ له؟
فكرٌ تغلبُ عليه السطحيةُ، وتتحكّمُ فيه عقولٌ منقولةٌ، مرجعياتُها الفكريةُ والروحيةُ متضاربةٌ،
فغلبت على هذه الحضارةِ تناقضاتُ المرجعِ والمنبعِ.
وحين أرادوا أن يستقوا "العِلم" من هذه العقول،
خرج علمٌ بلا روحٍ، علمٌ مولودٌ بعيبٍ خلقيٍّ منذ أصله،
فصار أداةً تُنتجُ، لا ضميرًا يُبصّرُ.
فلا عجب – إذًا – أن نجدَ الفلسفةَ البراغماتيةَ، والنفعيةَ، وثقافةَ الصورة،
ولا نَستغربَ إعلاءَ المادةِ، وغيابَ الروحِ، وصعودَ الذكاءِ الاصطناعي،
وأن يُرفعَ العقلُ فوق الوحيِ والفطرة…
كلُّ ذلك طبيعيٌّ، إذا علمنا أنّهم حاولوا جمعَ الأضداد، وربطَ المرجعياتِ المتباعدة،
فخرجت علاقاتُ الربطِ مشوّهةً، مرتبكةً، كما نراها اليوم.
ألا ترى معي أنّ هذه الحضارةَ تحملُ في جوفِها تناقضًا فكريًّا مريعًا؟
هيجل، مؤسّسُ الفكرِ الجدليّ، تربّى في بيتٍ متديّنٍ، على يدِ قَسٍّ.
وأفلاطون – الذي لم يقرأْ يومًا نصًّا مقدّسًا – نطقَ بما يُشبهُ أثرَ الوحي.
ذكرتُه لا لأجعله منهم، بل لأُبيّن أنّ نقلهم لفكره كان سطحيًّا، بلا سياقٍ ولا روح،
وأنّهم اقتطفوا من عقولٍ لا يفهمون أصولَها ولا بيئاتِها.
فكيف – إذًا – لعقليةٍ بهذا التفكّكِ المرجعي، وهذا الفكرِ المجتزأ، أن تستمر؟
أليس فيهم عقلٌ رشيدٌ، يُبصرُ الطريقَ الذي هم عليه؟
لكنّها سنّةُ الوجود: التغيّرُ والتبدّلُ.
العقلُ البشريّ، وهو مخلوقٌ، لا يُنتجُ حضارةً متكاملةً أبدًا،
بل يزرعُ في كلّ مشروعٍ من مشاريعه بذورَ فنائه.
وكلُّ ما هو مخلوقٌ… يحملُ داخلَه لحظةَ سقوطِه.
يمرّ الكيانُ البشريُّ – أفرادًا وأممًا – بطورِ الحياةِ الذي قدّره الله:
ولادةٌ، فصبا، فشبابٌ، فكهولةٌ، فشيخوخةٌ… فوفاةٌ، فبكاءٌ على الأطلال.
وجميعُ ما أبدعه العقلُ البشريُّ من خرائطَ ونظرياتٍ، يؤكّدُ – لنا ولهم – أنّ الثباتَ وهمٌ،
وأنّ التغييرَ هو الحقيقةُ الوحيدةُ التي لم يُنكروها، وإن لم يعوها.
لكن – للأسف – لا عقلٌ وعى،
ولا أذنٌ سمعت،
ولا عينٌ أبصرت…
“فلتكن مشيئةُ اللهِ كما شاء، يُبدِّلُ ولا يُبدَّلُ عليه.”
سيدي، حين أغوصُ في هذه الحضارة – وظُلمًا لها أن أزعمَ أنّ غوصي علميٌّ –
فإنني لا أراها إلا من الخارج، من خلال مخرجاتٍ تصلني، ولم يصلني إلا القليل.
أنا فقط أكتبُ ما أبصرته،
فكيف لو أبصرتُها عمقًا، ومعيشةً، وواقعًا؟
كيف لو عشتُها بين ظهرانيهم؟
كيف لو تنفّستُ أزماتهم، ولمستُ جراحَهم؟
سيدي، ما أكتبه الآن ليس إلا نظرةً غيرَ ثاقبة،
إنني أراها من ثُقبٍ في بابي، وقد ملأه الغبار،
لكن – رغم الغبار – ما رأيتُه كان كافيًا ليُحزنني…
بل ليفجعني على ما أنا فيه، أكثرَ ممّا يُفزعني مما هم فيه.
هذه الكلماتُ ليست دراسةً، ولا تنظيرًا فلسفيًّا.
إنّها صوتُ وجدانٍ يرى من بعيدٍ، ولا يُخدعُ بالسطح.
رؤيةٌ من ثُقبِ بابي، نعم… لكنها رؤيةٌ كافيةٌ لأُوقن أنّ وراءَ هذا البريقِ …… غُربةً عن الروح.
