الأمم المتحدة ..... بين المطرقة والسندان
الأمم المتحدة: بين المطرقة الأميركية والسندان الصيني… والغرب القديم بين التجمُّل والانكسار
بقلم: حمدي المصري
حين خرجت الأمم المتحدة إلى العالم من رحم الحرب العالمية الثانية، ظنّ الكثيرون أنها ستكون الضمير الحيّ للعالم، والمظلّة التي تَقي البشرية من حُمّى الصراعات الكبرى.
لكن الواقع ـ منذ ولادتها وحتى لحظتنا هذه ـ يخبرنا أن هذه المنظمة لم تكن أكثر من انعكاس دبلوماسي لتوازنات القوة لا لتوازنات الحق.
ما بين التأسيس والمآزق
أُنشئت الأمم المتحدة لإدارة عالم ما بعد الحرب، ولكن إدارتها لم تكن شاملة، بل حصرية لأبناء النصر؛ خمس دول منحت نفسها ـ عبر مجلس الأمن ـ مفاتيح القرار، وحق النقض، وشرعية فرض الأمر الواقع.
لكن الزمن تغيّر، والقوى تحرّكت، وها هي المنظمة تقف اليوم أمام مفترق طرق خطير:
١. إثبات القوة لمن؟
٢. الخضوع لمن؟
٣. التمويل ممن؟
٤. الشرعية لمن تُمنح؟
٥. وهل بقي للدول القديمة (بريطانيا، فرنسا، روسيا) دور فعلي، أم أنها مجرد أسماء ثقيلة في قاعة خالية؟
المطرقة الأميركية: سلطان القوة والمال
لا تزال الولايات المتحدة تمسك بعصا المنظمة من طرفيها. فهي الممول الأول للأمم المتحدة، وصاحبة اليد العليا في الفيتو، وهي من يحوّل القرارات الدولية إلى أوراق ضغط انتقائية.
تدفع متى شاءت، وتبتز حين تريد، وتنسحب إذا لم تُطِع المنظمة إشارتها.
السندان الصيني: صعود ناعم بقبضة من حرير وحديد
أما الصين، فهي لا تزأر كما يفعل الأميركيون، لكنها تزحف بثبات نحو مراكز التأثير.
تشتري النفوذ عبر التمويل والاقتصاد، وتدخل بهدوء إلى مفاصل القرار الأممي، وتبني تحالفات عبر مبادرة "الحزام والطريق".
فهل تستطيع قلب الموازين دون أن تُفجّر النظام من أساسه؟
الغرب القديم: كبرياء يُخفي الانكسار
بريطانيا وفرنسا وروسيا… ثلاث دول تملك حق الفيتو، لكن السؤال ليس عن الحق، بل عن الوزن.
بريطانيا تحتمي بتاريخها، وتُدار بتبعيتها لحلفائها.
فرنسا تتشبث بثقافة النور، بينما ينطفئ حضورها الدولي.
روسيا تبحث عن اعتراف لا عن نصر فقط، وتستظل بالصين دون أن تسلّم لها الراية.
كلهم يقبلون بالوضع الحالي خشية الظهور بمظهر المنكسر، وحرصًا على مظاهر التفوق أمام الدول الأقل شأنًا.
هل ما زالت الأمم المتحدة تمثل البشرية؟
السؤال الصادم اليوم:
هل تمثل الأمم المتحدة شعوب العالم حقًا؟
هل تملك الشرعية الأخلاقية للحديث عن السلام وحقوق الإنسان، بينما تُكبل قراراتها بخيوط الفيتو السياسي؟
أم أنها أصبحت توزّع الجزرة للبعض، والعصا على البعض، بحسب رضا الكبار وغضبهم؟
في عمق المشهد: موت النظام بصمت
بعد كل ما دار من تحليل وتأمل، يمكن أن نقولها بملء الفم:
النظام العالمي القديم يموت بصمت، وهما من يقتلاه…
نعم، أميركا والصين يفتتان هذا الهيكل من داخله، لا من خارجه. أما الآخرون، فهم يجرّون أذيال الرمزية والمكانة، دون حول حقيقي ولا تأثير فاعل.
وعند خروج الروح؟
الخطر ليس في موت النظام فقط، بل في من تخرج الروح من أجسادهم السياسية: إنجلترا، وفرنسا، وروسيا.
حينها تفقد الأمم المتحدة توازنها الرمزي، وتتحول إلى ساحة مكشوفة بين نسر يصرخ وتنين يزحف، دون شهود، ولا حكم، ولا قواعد.
وأخطر ما في الأمر
سيحاولون بكل ما أوتوا من قوة: إما الدخول في النظام العالمي الجديد، أو هدم الأمم المتحدة فوق رؤوس ساكنيها.
فهم يدركون أن خروجهم من نادي الكبار، ليس خروجًا من قاعة الاجتماعات، بل خروج من التاريخ نفسه.
فإن لم يبقَ لهم مكان في النظام القادم، فلن يترددوا في تقويض القديم بمن فيه.
خلاصة عقلانية
الأمم المتحدة اليوم ليست في أزمة إدارة، بل في أزمة وجود.
تُضغط من أميركا، وتُخترق من الصين، ويُستعرض بها أمام الضعفاء.
أما أصحاب النفوذ القدامى، فهم يعيشون على أمجاد باهتة، وامتيازات متآكلة، وأدوار رمزية في مسرح لا يعترف إلا بالكتلة والمال والتقنية.

