حين قُدّم النسب على الوحي
النسب حين يحجب النور...
حين قُدّم النسب على الوحي
إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، اصطفاه الله وبارك نسله، فأنجب إسماعيل ثم إسحاق.
ومن إسحاق جاء يعقوب – إسرائيل – فكان نبيًّا بدوره، وتتابعت النبوة في ذريته.
فحين نُمعن في سيرة بني إسرائيل، نرى شعبًا لم تُشكلهم الرسالة، بقدر ما شكّلهم النسب.
فالنبوّة عندهم لم تكن ميدانًا للإيمان، بل ساحة للانتماء.
ومنذ أن اصطفى الله يعقوب – إسرائيل – وأكرمه بولدين من سلالة النبوة، هما يوسف وموسى، ثم داود وسليمان، حتى عيسى بن مريم... أصبح المعيار لديهم: النبوة من نسلنا إذن هي الحق.
وبدل أن يكون الوحي موصولًا بالله، صار موصولًا بالعرق.
تناسوا أن الله يصطفي من عباده من يشاء، لا من ذرية واحدة فقط، وراحوا يختزلون الهداية في النسب، وكأنّ الاصطفاء ميراث عائلي لا يُمنح لسواهم.
ثم جاءت لحظة الحسم في فكرهم اللاهوتي:
لقد جمعوا التوراة والزبور والإنجيل – وهي كتبٌ أُنزلت على أنبياء مختلفين وفي عصور متباعدة – ووضعوها جميعًا بين دفتين، وأسموها "الكتاب المقدس".
لكن ما الذي يجمع التوراة (التي نزلت على موسى) والزبور (الذي نزل على داود) والإنجيل (الذي نزل على عيسى)؟
ليس وحدة الرسالة، فبينها خلافات جوهرية عقائدية وتشريعية.
وليس وحدة الزمان أو المكان.
إن ما جمعها، ببساطة، هو وحدة النسب.
جميعهم من بني يعقوب.
ومن هنا، غُلّبت العصبية على الروح، وغابت الغاية السماوية لحساب رواية بشرية لتمجيد السلالة.
ويا للمفارقة!
الزبور مثلاً أُنزل قبل الإنجيل، ومع ذلك جُمعا معًا في كتاب واحد لاحق، وكأن الترتيب الزمني والوظيفة النبوية لا وزن لها… أمام الانتماء العائلي.
ونسوا ما جرى لنبي الله نوح، حين سأل ربَّه أن يُنقذ ابنه من الطوفان:
﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾،
فردّ عليه الوحي الإلهي بحسم:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾!
لأن الدين ليس نسبًا، بل عملًا، وليس الدم ما ينجّي، بل الإيمان.
وفي ذروة هذا الإعراض، خُتمت النبوة برجل من نسل إسماعيل، هو محمد ﷺ، الذي بُعث رحمة للعالمين، وبه عاد ميزان الدين إلى موضعه:
الوحي فوق النسب، والحق فوق العرق.
وهكذا...
انتهى زمن النبوة الوراثية، وبدأ عهد الرسالة الإنسانية.
سقطت أصنام النسب، وارتفعت راية:
"إن أكرمكم عند الله أتقاكم."

