ليس كل ما يُبحث… يُطبَّق
(رؤية فلسفية في نقد العقل الأكاديمي)
منذ أن علا صوت المختبرات في جامعات الشمال، وفرضت تصنيفاتها بوصفها "حقائق علمية"، أصبح الوعي الإنساني حبيس جداول تحليلية لا تمثله، وأرقام باردة لا تعكس دفء التجربة البشرية. تتوالى الأبحاث وتتزاحم الكتب، ويُقال لنا: هكذا هو الإنسان… بناءً على ملاحظات جرت في بيئة واحدة، على عقول متشابهة، داخل قوالب ثقافية محددة.
لكن… أيُّ عقلٍ هذا الذي صُنِّف؟
وأيُّ إنسانٍ تمّت عليه التجربة؟
بل، لعلّ السؤال الأعمق: أيُّ عقلٍ هذا
الذي أجرى التصنيف ذاته؟
إنه عقل تحليلي مفرط، لا يرى الوعي إلا من خلال ما يمكن قياسه، ولا يعترف بأي صورة من صور الفهم خارج المعادلات والملاحظات المكررة.
عقلٌ نشأ داخل جدران المعمل،
فأنكر كل ما لا يدخل ضمن أدواته.
لقد غاب عنه أن بعض أشكال الوعي لا تُرصد بالتجربة، بل تُلتقط بالتأمل، وتُفهم بالبصيرة، وتُثبت بقدرة الربط بين الظواهر، لا بمجرد الملاحظة الدقيقة لها.
في جامعات مثل هارفارد، دُرست خصائص الوعي والسلوك البشري على أكثر من 20,000 شخص… جميعهم من بيئة أمريكية محددة، من خلفية ثقافية ولغوية وعرقية واحدة تقريبًا. خرجت النتائج مصنَّفة في جداول جميلة، قيل عنها: هذا هو العقل البشري!
فهل ما يُستنبط من عينة كهذه يمكن فرضه على عقل الجنوبي الحسي؟ أو الشرقي المتأمل؟
إن عقلنا الشرقي، حين يتدبر أو يستبصر، لا يُقارب الأشياء بآلة القياس، بل بقدرة عقلية تتجاوز المألوف، نحو إدراك شمولي للكون والإنسان والمعنى. عقل يؤمن بأن ما لا يُقاس… لا يعني أنه غير موجود.
الوعي عندنا ليس فقط ما يُرصد في المختبر، بل ما يُلتقط في السكينة، في التأمل، في الطقوس التي قد تكون خارجة عن الأديان المؤسسية ولكنها تُثمر أحيانًا يقظة روحية لا تفسير لها في علوم الشمال.
بل كم من فكرة وُلدت في جلسة تأمل، وكم من بصيرة خالفت تجربة المختبر، فثبت صدقها عبر الزمان.
إنّ الفجوة الفلسفية بين العقل الباحث المحلل والعقل المتأمل الواعي لا يمكن سدّها بتوسيع عينة البحث، أو بتحسين أدوات القياس.
لأن الوعي ليس معادلة كيميائية… بل كينونة متجاوزة.
إنه القدرة على ربط المقدمات ببعضها، وعلى استشراف ما تنتجه من نتائج قبل حدوثها. إنه الاستبصار، لا فقط الملاحظة.
وهنا تكمن خطورة "المدرسة الأكاديمية العليا": أنها تُنزل استنتاجات مختبرها منزلة القانون الشمولي، وتدرّسها للأمم الأخرى بوصفها خلاصة العقل، بينما هي لا تمثل سوى خلاصة عقل بيئتها، وليس الإنسانية جمعاء.
والمصيبة الأكبر: أن كثيرًا من النخب في بلادنا يستوردون هذه النظريات كما هي، ويرددون مصطلحاتها بغير تمحيص، حتى أضحى التقليد الفكري سمة العصر، يلبسون ثوب العلم دون أن يفقهوا نسيجه.
إننا لا ننكر فضل البحث ولا نستهين بالتجريب، لكننا نؤمن بأن "المعرفة" شيء، و"العقلانية المتأملة" شيءأرقى وأعمق.
فليس كل ما يُبحث… يُطبّق.
وليس كل ما يُدرس… يُصدَّق.
