الاتفاقيات الإبراهيمية… وحدود التلاقي
في زمنٍ يتداخل فيه الدين بالسياسة،
وتُختزل الرسالات السماوية في بروتوكولاتٍ دوليّة،
تخرج علينا مسمّياتٌ براقة:
"الاتفاقيات الإبراهيمية"…
عنوانٌ يَعدُ بالسلام،
لكنه يخفي وراءه خلطًا بين النبوّة والنفوذ، وبين الوحي والمصالح.
إن أبناء إبراهيم — عليه السلام —
يتقاسمون أصلًا مشتركًا: دعوة للتوحيد، لله الواحد الأحد.
لكن الأمانة في النقل، والصدق في العبادة،
قد ضاعت في مراحل من التاريخ، فكانت الحاجة إلى تصويب،
وكان بعث النبي محمد ﷺ رحمةً للعالمين، ومُعيدًا لملة إبراهيم كما أرادها الله:
نقية، حنيفة، بلا غلوّ ولا شرك، ولا تحريف.
لكنّ هذا لا يعني إلغاء المشتركات،
ولا يبيح سوء الخطاب مع الآخر،
بل يدعونا الإسلام إلى الحوار،
إلى اللين، إلى الكلمة الطيبة،
دون تفريطٍ في العقيدة، ودون تنكُّرٍ للحقّ.
إن "الاتفاقيات الإبراهيمية"
قد تصلح إن كانت بوابة للحوار والاحترام،
لا إن كانت جسرًا للتطبيع والتنازل،
ولا ذريعةً لتمييع الثوابت باسم الوحدة.
فالأنبياء لم يُبعثوا ليتصالحوا على حساب الوحي،
بل ليُبلّغوا، ويُبصّروا،
ويدعوا إلى الحق… بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما عن "دُوَل الطاعة"...
فقد سارت خلف هذا البريق الخادع،
ظنّت أن القرب من القوة يمنحها الهيبة،
وأن التحالف مع الأقوياء يعوّض الفقدَ في الداخل،
ففقدت هيبتها… وذابت هويتها.
تنازلت عن ثروتها تحت مسمى الشراكة،
وعن ثقافتها تحت شعار الانفتاح،
وعن مقدساتها تحت عنوان السلام.
صارت تستورد فكرها، وتستأذن في قرارها،
وتبحث عن شرعيتها في عيون من لا يراها إلا أداة.
حتى دينها، لم يَسلم،
فبدأ يُعاد تشكيله بلغة المصالح،
ويُجتزأ منه ما يُرضي، ويُقصى منه ما يُزعج.
وهنا…
لا بدّ أن يُقال الحقّ، لا بصوت الغضب، بل بنداء الصحوة:
يا من رضيتم أن تكونوا "دول طاعة"،
الطاعة لله وحده…
والكرامة لا تُمنَح، بل تُصان.
