العودة الناعمة
كيف يعود اليهود إلى مصر من بوابة الهيمنة الثقافية؟
بقلم: [حمدي المصري ]
في زوايا التاريخ المنسي، يرقد ملف الطائفة اليهودية في مصر؛ ملفٌ ظلّ مغلقًا لعقود، حتى بدأت أوراقه تُقلّب على مهل، بصمتٍ ناعم، ولكن بإصرار شديد. عودة لا تُشبه ما سبقها، بل تتسلل هذه المرة تحت عناوين "حقوق الإنسان"، و"ترميم التراث"، و"العيش المشترك"، بينما تقف خلفها أيادٍ دولية ذات نفوذ، ترسم بعناية خارطة استعادة الوجود اليهودي في قلب القاهرة، وامتداداتها الثقافية والدينية.
ماجدة هارون... الواجهة المدنية لمشروع العودة
في عام 2013، برز اسم ماجدة هارون، كرئيسة للطائفة اليهودية في مصر، عقب وفاة كارمن وينشتاين، الرئيسة السابقة. تنتمي ماجدة لعائلة يهودية مصرية، وقد اتخذت من شعار "التراث لا يُنسى" غطاءً لتحريك ملف طائفة باتت تضم أقل من 6 أفراد فقط يقيمون في مصر بشكل دائم.
لكنّ تحركات ماجدة، بدعم مباشر وغير مباشر من السفارة الأمريكية بالقاهرة، تجاوزت البعد التراثي إلى ما هو أوسع. بدأ ترميم المعابد اليهودية في القاهرة، وخاصة معبد "إلياهو هانبي" بالإسكندرية، الذي افتُتح عام 2020 بتمويل حكومي، ولكن بحضور ومباركة غربية واضحة، مما فتح الباب لاحقًا للمطالبة بإقامة شعائر دينية، والاحتفال بعودة الحياة للمعبد.
دبلوماسية التراث... أم دبلوماسية التمهيد؟
العودة هذه المرة لم تأتِ عبر بوابة "اللوبي الصهيوني" فقط، بل عبر أدوات ناعمة:
اتفاقيات ثقافية تحت عنوان "حماية الأقليات".
إدراج مقابر اليهود في القاهرة ضمن قوائم "التراث الإنساني".
المطالبة بترميم حارة اليهود في الموسكي، باعتبارها "ذاكرة حضارية".
العودة إلى تنظيم مولد أبو حصيرة في طنطا، وهو الملف الذي أثار لغطًا شعبيًا وسياسيًا سابقًا.
الغطاء الأبرز كان ما يُسمّى "حرية العبادة" و"مناهضة ازدراء الأديان"، وهي شعارات صاغتها بعناية مؤسسات مثل:
الكونغرس اليهودي العالمي.
منظمة B'nai B'rith الدولية.
جمعيات أمريكية تدعم "التسامح الديني".
هذه المؤسسات تُمارس ضغوطًا سياسية وقانونية على بعض الدول، بهدف استرداد أملاك اليهود المصادرة في خمسينيات القرن الماضي، خصوصًا بعد قرارات التأميم في عهد عبد الناصر، وهو ما قد يُمهّد لاحقًا لمطالبات قضائية بأملاك عقارية وتجارية ضخمة.
اليد الناعمة... لكن ذات العصا الطويلة
من يظن أن هذه العودة محض نشاط ثقافي فهو واهم. فالتحركات تجري ضمن سياق عالمي يتصدره:
تنامي النفوذ الإسرائيلي في القارة الأفريقية.
الضغط الأمريكي المستمر على دول المنطقة للانفتاح على "كل الطوائف".
محاولات تفريغ الصراع العربي-الصهيوني من بعده الوجودي، وحصره في "سوء تفاهم" ديني أو ثقافي.
ولا يمكن إغفال دور ما يُسمّى "اللوبي اليهودي في الكونغرس الأمريكي"، الذي يُنسّق عن كثب مع الخارجية الأمريكية، خاصة في ملفات:
الحريات الدينية، حقوق الأقليات، وعودة الممتلكات اليهودية.
نهاية المشروع... هل تكون ناعمة كذلك؟
إن استمرت هذه العودة دون رقابة وطنية، ودون وعي شعبي، فإننا أمام سيناريوهات أخطر:
1. إعادة بناء الوجود اليهودي الاجتماعي في مصر.
2. المطالبة بتعويضات مالية ضخمة.
3. إحياء ما يُسمّى "الشتات المصري" كجسم دولي ضاغط.
4. اختراق ناعم لمفاصل الثقافة والتعليم، تحت عنوان التعددية.
الخاتمة: الوعي هو الحصن الأخير
لسنا ضد الترميم، ولا ضد التعددية، ولكن حين تتحوّل أدوات الثقافة إلى جسور للهيمنة، فإن التوعية تصبح واجبًا وطنيًا.
إن ما يجري من إعادة رسم الوجود اليهودي في مصر، ليس مجرد نشاط رمزي، بل هو مشروع ناعم ذو أذرع دولية، يستهدف تغيير هوية وطن كانت يومًا ما عصيًا على الاختراق.
الوعي الشعبي، والصحافة الحرة، والمثقفون، والسياسيون، مطالبون جميعًا بقراءة المشهد كاملًا… فالتاريخ حين يعود، لا يعود بريئًا دائمًا.


سيدي مصر مطمع الغزاة ولا تزال
كنت رأيت خطاب للقذافي يتحدث فيه عن ان هدف إسرائيل ليس فلسطين بل مصر