أمريكا... عقول لفظتها الأوطان فصنعت مجدًا
لم تكن أمريكا ابنة النشأة الفكرية الحرة، ولا وريثة الفلسفات الكبرى، ولا سيدة التراث العميق… بل كانت أمةً وُلدت على عجل، وبدأت من حيث انتهى الآخرون.
لم يكن في زمنها متّسعٌ لصبر الحضارات، ولا لتراكم التجربة، فبدأت من المختبر لا من الحكمة، ومن السوق لا من التأمل، ومن الانقضاض على ما شيدته الأمم، لا من بنائه.
من رحم الحرب العالمية، وحين كانت أوروبا تُلملم أشلاءها، أعلنت أمريكا صعودها ليس بكلمة… بل بقنبلة.
قنبلةٌ لم يصنعها ترابها، بل عقلٌ مهاجر، جُرِّد من وطنه فابتكر في أرضٍ لا تمت له بصلة. أينشتاين، أوبنهايمر، ورفاقهم… منهم من كان يهوديًا هاربًا من النازية، ومنهم من كان مطاردًا لفكره، ومنهم من جاء طالبًا للنجاة… فوجد في أمريكا معامل، وأذرعًا، وأجهزة تعرف كيف تحوّل العقل إلى سلاح.
فكان مشروع "مانهاتن"، وكانت هيروشيما، وكان التاريخ ينحرف من مجراه إلى مجرى جديد… مجرى لا تقوده الجغرافيا، بل تقوده العقول المُهاجرة.
ومع كل عالمٍ دخل أرضها، خرجت من أوروبا خليةُ فكر، وذكرىُ وطن، وباتت أمريكا مركز استثمارٍ للعقل العالمي، لا مصدرًا له.
جرفت العقول كما يُجرف الذهب من نهرٍ يوشك أن ينضب، حتى صارت أوروبا نفسها، بكل جامعاتها العريقة، تمدّ أمريكا بوقود النخبة… وذلك قبل أن يأتي دور العالم الثالث.
ثم نظرت أمريكا جنوبًا وشرقًا… فرأت شعوبًا مسحوقة، مقهورة في وطنها، مرفوضة في فكرها، شبابًا يُضرب إن تكلّم، ويُعتقل إن فكّر، وباحثين لا يُؤخذ منهم العلم إلا إذا تخلّوا عن كرامتهم.
ففتحت لهم الأبواب، وأهدتهم الوعد الكبير: "الحلم الأمريكي".
ذاك الشعار الذي اجتمع فيه الذكاء السياسي مع الإغراء النفسي، فصار العقل المقهور يحلم بالهجرة، لا ليُبدع لأمته… بل ليُنتج تحت علمٍ لا يشبه لغته، ولا ذاكرته، ولا تاريخه.
وهكذا، صعدت أمريكا لا على أكتاف جيوشها فقط، بل على أكتاف العقول التي لفظتها أوطانها.
فرضت فكرها لا بالقوة الصريحة، بل بأملٍ مبهم، وحريةٍ نسبية، ودولارٍ لا يعرف حدودًا.
صارت القِبلة الجديدة لمن فقد وطنًا أو كرامة، حتى بات العقل العربي أو الإفريقي أو الآسيوي، إن أراد أن يرى نفسه، فعليه أولًا أن يُخلع عن ذاته، ويُعيد تركيبها هناك… في "البلد الحلم".
أمريكا لم تُعد تشكيل العالم فقط… بل أعادت تشكيل الذات.
جعلت الموهبة ترى ذاتها ناقصة إن لم تُوقّع في جامعاتها، وجعلت الباحث يقيس فكره بعدد مرات استشهاده في مجلاتها، وجعلت الحلم يبدأ بتأشيرة، وينتهي بمختبرٍ يرفع رايتها.
ولعلنا إن نظرنا إلى الحاضر، رأينا أن القصة لم تنتهِ عند أينشتاين وأوبنهايمر، بل تكررت – وبإلحاح – في أسماءٍ يعرفها العالم اليوم:
إيلون ماسك… القادم من جنوب أفريقيا، أعاد تشكيل خيال البشرية من خلال "تسلا" و"سبيس إكس"، وصار وجه أمريكا الطامح للفضاء والطاقة.
جنسن هوانغ، مؤسس "إنفيديا"، تايواني الأصل، قلب موازين القوة في عالم الذكاء الاصطناعي، وباتت شرائح شركته تُسيّر خوارزميات الكوكب.
سيرجي برين، المهاجر من موسكو، أسّس "غوغل"، وجعل من محرك البحث طريقًا للسيطرة الناعمة على المعرفة والوعي.
كل هؤلاء… ليسوا أمريكيي الجذور، بل حكايات هجرة جديدة لعقولٍ لفظتها بيئاتها الأصلية، أو لم تحتملها، فأعادوا كتابة المجد من جديد، لكن… بلغة الهيمنة لا الحنين.
فيا من تقرأ… هل سألت نفسك يومًا: كم عقلًا وُلِد هنا، ونَضج هناك؟
كم فكرةٍ بدأت على مقعد خشبي في جامعة منسية… وانتهت تُباع براءة اختراع في وادي السيليكون؟
ليست المسألة مجرّد هجرة، بل هزيمة صامتة… للعقل في وطنٍ لا يحتمله، ولا يحترمه.
أمريكا بدأت من حيث انتهى الآخرون…
ولكنها لم تكتفِ بالبداية، بل أخذت ما كان لدى الجميع، وأحكمت قبضتها.
حتى صار من يحلم…
يحلم بها، لا بنفسه.

أمريكا عملت قرعة سنوية تأخذ شبابا من جميع المستويات الثقافية يكفي ان يكون عندك ديبلوم ويصير حلمك اقرب الى الواقع، مستقبل لا تفكر فيه بالفقر، لكن بالمقابل لا احد يفكر كيف سأربي ابنائي هل سيدعوني اغرس افكاري فيهم أم هم من سيربونهم، مجرد التفكير انه يحق لرجل ان يصبح انثى فقط لانه احس انه انثى ويضمنون حقوقه حتى في الاولمبياد والاماكن الخاصة بالنساء فهذا أمر مرعب، ناهيك عن ان الوطن يخسر عقلا علمه لسنوات مجانا، لكن هذا الوضع في العالم الثالث أصلا هو بسبب توصياتهم وتحكمهم في سياسات البلدان.
هذا واقعي جدًا، اذ تقمع أفكارك داخل بلدك الفارغ، فتهرب عنها إلى من مد لك حلمًا جميلاً من الوهم ليستعمرك