عقول حبيسة المختبر في حضارة العدم
تركت العنان لمخيلتي، تسترجع تاريخ الإنسان وحضاراته.
علمونا في مدارسنا أن لكل حضارة عنوانًا،
فأبهرني عقلي، وسعفتني ذاكرتي، وأخبراني بالعناوين...
فوجدت حضارة قامت لتغرس في الإنسان قيمًا ترفعه فوق الحيوان،
وأخرى علمته الكتابة والقراءة،
وثالثة درّبته على الحساب،
وهذه علّت من شأن الروح، وتلك أرست أسس التنظيم،
ومنها من وضعت قواعد التفكير،
وجاءت من عرفت الله واهتدت بوحيه،
وأخرى صاغت القوانين،
وأخيرًا عدنا إلى العقل،
وما صار للوحي تقديس، ولا للروح منزلة.
جميعها استلهمت من شقيقتها الطريق،
وحملوا شعلة النور في دجى الجهل الغطيس،
حتى أتت "حضارة العدم"، فقطعت الجسور،
وتكالبت على جمع العقول،
وفرضت خواءها على الشعوب.
ألا تعلمي أن العقول ملكٌ لإنسانيتنا،
ولم تكن يومًا حكرًا عليك؟
العقول كالطيور، تحلق وقتما شاءت، وكيفما شاءت،
لا سلطان عليها سوى ذاتها.
فاجمعوا ما شئتم من عقول،
واحبسوها في المختبرات ما استطعتم،
وجعلوا المختبرات سجنًا، وقد أوصدوا أبوابه، ودججوه بأسلحة العلم التجريبي، ونسوا أن أرواحهم تهوى الحرية.
واغدقوا عليهم الأموال،
ولكن اعلموا أن الطيور الحرة لا تعشق القفص،
واعلموا أنكم من هدم جسور الوصل بين العقول.
فإن وجدت العقول لها متّسعًا،
فاعلموا أن من قطع… لم يصل.
وما كانت هذه الجسور لتُهدم، لولا تلك الحضارة التي ادّعت القيادة، وقادت العالم نحو العدم.
