مفهومي في معنى الحق المطلق
منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض وهو يلهث وراء الحقيقة؛ تارة يبحث عنها في أسرار الكون، وتارة يستنطق التاريخ، وأخرى ينقب في أعماق نفسه. لكنّ السؤال يظل معلقًا: ما الحق الذي لا يتبدل؟ وما الحقيقة التي تصلح أن تخاطب العقل في كل زمان ومكان؟
إن تأملنا في جوهر الرسالات، وفي ضمير الفلسفات الكبرى، سنجد أن كلمة واحدة تتكرر كنبض أبدي: الحق. غير أنّ الحق ليس مجرد فكرة نسبية، ولا هو رأي يخضع للأهواء، بل هو حقيقة كلية مطلقة، تكشف عن نظام الوجود وغاية الحياة. ويمكن لنا أن نستخلص من ذلك عشر حقائق أساسية تضيء مسار الفكر الإنساني:
أولًا: الوجود بالحق، لا بالعبث. فالكون لم يُنشأ صدفة، بل قائم على نظام وميزان، وكل ما يخرج عن غايته الحقة يذوي ويضمحل.
ثانيًا: الحق ثابت والباطل زائل. قد يعلو الباطل حينًا، لكنه محكوم بالاندثار، أما الحق فباقٍ ما بقي الوجود.
ثالثًا: الحق معيار الهداية. الإنسان لا يسلك طريق الرشاد إلا حين يتلمس الحق؛ فبدونه يضل في متاهات الوهم.
رابعًا: الحق أساس المعرفة اليقينية. فاليقين لا ينبني على الظنون، بل على مطابقة الفكر للواقع كما هو، وهذا لا يتحقق إلا بالحق.
خامسًا: الحق أساس العدالة. إذ لا عدل كامل في الدنيا إلا ما تأسس على الحق، أما العدالة المطلقة فهي التي وعد الله بها خلقه.
سادسًا: الحق جوهر الصراع البشري. فكل ما يرويه التاريخ من نزاعات ليس إلا صورًا متبدلة للصراع الأبدي بين الحق والباطل.
سابعًا: الحق قوة تحررية. فما إن يتجلى حتى يطرد الوهم ويكسر قيود الزيف، فيحرر الإنسان من أسر الباطل.
ثامنًا: الحق فوق النسبية الإنسانية. ما يعتبره البشر حقًا قد يتأثر بالمصالح والميول، أما الحق المطلق فلا يملكه إلا من بيده ميزان الوجود كله.
تاسعًا: الحق غاية الرسالات. كل نبي إنما بعث ليكشف للإنسان معالم الحق ويقيم به الحجة، فلا يبقى عذر للغافلين.
عاشرًا: الحق هو الله. ليس الحق مجرد مبدأ كوني أو قاعدة عقلية، بل هو اسم لله، والبحث عن الحق في جوهره هو بحث عن الله ذاته.
إن هذه الحقائق لا تنتمي إلى ثقافة دون أخرى، ولا تُحصر في زمن دون غيره؛ إنها مبادئ كونية تخاطب العقل الإنساني حيثما كان. فالحق ليس مِلْكًا لجماعة أو أمة، بل هو الأصل الذي به قام الوجود، وإليه ترجع المخلوقات كلها.
إن الإنسان الذي يطلب الحق، في الحقيقة يطلب الله، وإن أنكره بلسانه. ما دام في الفطرة عطش للحقيقة.
