نداء العقل الفطري
في خضم العصور وتراكم المعارف، كثيرًا ما تتشوش البصائر بما يُلقن لها، حتى يغيب عنها أن في جوفها نورًا فطريًا قادرًا على الإبصار، وأن العقل إذا تُرك لشأنه، خاليًا من مؤثرات الهوى وغبار الموروثات المتكلسة، فإنه قد يبلغ الحقيقة من تلقاء ذاته.
وليس ذلك لفرط ذكائه، بل لأنه يحمل بين جنبيه أداةً خلقها الله للتماس مع سننه، وللتفاعل مع مفاهيمه الكبرى، متى ما طهرت من الضوضاء.
فالعقل الحرّ، حين يتأمل من ذاته، ويولد فكرته من رحم التأمل الخالص، ثم يرى أن فكرته لا تصطدم بسنن الكون، ولا تعارض الفطرة، بل تتسق مع المنطق الكوني وتتناغم مع المشترك الإنساني، فإن هذه الفكرة تكتسب قوةً راجحة، وتدلّ على أن العقل لم يُخلق عبثًا، بل أُعطي ليكون في جوهره شاهِدًا على الحق، حتى وإن لم يبلغ تمامه.
ولذا؛ فإنك قد ترى عقلاً لم يصله الوحي، ولم يقرأ من الكتب شيئًا، ولكنه بفطرته وتأمله، قارب المفاهيم الكلية التي نزل بها الوحي، وكأن في الإنسان نواةً كامنة للحكمة، إذا سُقيت بالصدق والصفاء، أثمرت.
إن الأفكار التي تولد في العقل من ذاته، إن هي انسجمت مع الحقائق الطبيعية، فهي ليست وليدة شطَح، بل هي امتداد لنَفَس الوعي الإنساني المتصل، والذي لا زمان يحصره، ولا مكان يقيّده، فالحكمة لا تُحتكر، والمعرفة لا تُحبس.

شكرا لدعمكم الكريم