نيل رضا الله
يظلّ القلب البشري مهما تزيّن بزخارف الدنيا متعطّشًا لشيء لا يمنحه مال ولا سلطان. عطش قديم يسكن في أعماقنا، منذ أن نُفخت فينا الروح: عطش إلى رضا الخالق.
الرضا… تلك الكلمة التي تبدو ساكنة، وهي في حقيقتها زلزلة للروح. فهي ليست مجرد شعور بالطمأنينة، بل مقام عالٍ لا يُدرك إلا حين يلتقي العقل بالإيمان، وحين تنصهر الإرادة في محبة الله.
القرآن لا يقدّم الرضا كجائزة مؤجَّلة فحسب، بل كحضور يفيض في الدنيا قبل الآخرة. إنه نور يتسرّب إلى الضمير، فيحوّل الطاعة من عادة إلى عشق، والبلاء من قيد إلى حكمة، والمعاملة من نفع محدود إلى عدل وإحسان يتجاوزان حدود الذات.
فالرضا يبدأ من التوحيد؛ أن يخلع الإنسان عن قلبه كل صنم خفيّ، سواء كان مالًا أو جاهًا أو غرورًا. ثم يتجلّى في الاتباع الممزوج بالحبّ: طاعة لا يحرّكها الخوف وحده، بل ترفدها المحبة، كما يرفد النهر شجرة فتخضرّ وتزهر.
غير أن الطريق لا يقف عند علاقة الفرد بربّه، بل ينفتح على الناس. فمن طلب رضا الله، ولم يرضَ عباده بعدل ورحمة، فقد اختزل المعنى. الرضا لا يُنال في عزلة عن العالم، بل في خضمّ الحياة، حيث تُختبر إنسانيتك في موقف صغير أو كلمة منصفة أو إحسان خفيّ لا يراه إلا الله.
ثم تأتي لحظة الابتلاء؛ لحظة الحقيقة. هنا ينكشف جوهر العبد: أتراه يجزع، أم يبتسم لقدر الله ويقول: رضيت بما قسم لي ربي؟ الصبر هنا ليس تحمّلًا باردًا، بل إدراك عميق أن وراء الألم معنى، وأن يد الله لا تفارق عبده لحظة.
لكن الرضا لا يقتصر على الضراء، بل يتجلّى أيضًا في السراء. والحق أن الرضا في الرخاء أدق وأصعب؛ ففي البلاء يضطرّ الإنسان إلى باب الله، أما في النعمة فقد يغترّ، فينسى المنعم ويعبد العطاء بدل المعطي. الرضا في الرخاء هو أن ترى النعمة هدية لا فخًا، أن تملكها دون أن تمتلكك، أن تشكر دون أن تطغى، وأن تبقى مطمئنًا بأن ما عند الله أعظم من كل ما بين يديك. هنا يُمتحن صدق الحرية، وهنا يتجلّى أبهى معاني الرضا.
وبين السقوط والنهوض يفتح الله باب التوبة، بابًا يتسع لكل ضعف بشري. ما أعجب هذا الباب! كلما دخل العبد منه عاد أنقى، وكأن الذنب لم يكن إلا وسيلة ليذوق حلاوة الرجوع.
لكن ذروة المعنى تتجلّى حين يرضى العبد عن الله قبل أن يطلب رضاه. حين ينظر إلى وجوده كله كهدية، إلى بلائه كرحمة مستترة، إلى منعه كعطاء آخر لم يدركه بعد. هنا يلتقي الرضا بالرضا، فيصبح القلب مستغنيًا عمّا يفنى، مشدودًا إلى ما يبقى.
رضي الله عنهم ورضوا عنه… ليست آية تُتلى فحسب، بل تجربة وجودية يعيشها المؤمن الحقّ. هي اللحظة التي ينطفئ فيها صخب العالم في الخارج، ويُضاء في الداخل سراج لا ينطفئ.
فالرضا ليس نهاية الطريق، بل هو نفسه الطريق. من دخله أدرك أن كل شيء يتبدّل: الضيق يتسع، البلاء يلين، والرخاء يغدو أكثر نقاء، والوجود بأسره يصبح أوضح وأجمل. هو المعنى الذي يبرّر الحياة، ويجعلها جديرة بأن تُعاش.


شُكرا لك على هذه الكلمات الطيبة ياصديقي , وهذه اللفته الرائعة التي تُعطي للمعنى اساسا ومركزا لا يقوم ولا يبقى الا به .. كنت رائعا وملهما .
مقال يتلالا جمالا في كل جملة
شكرا جدا استمتعت بالقراءة🌹