أحلامي… بوصلةُ البقاء
لمن ظنّ أن الحلم ضعف، ولمن نسي أنّ الإنسان لا يُحيا
بالخبز وحده
ثمّة ما يقودنا دون أن يُمسك بأيدينا.
كومضةٍ تلمع في زاوية الروح،
كشعاعٍ ضئيلٍ لا نراه… لكنّه يدلّنا.
ذلك هو الحُلم.
ليس ترفًا نلوذ به إذا ابتسمت الحياة،
ولا نَزَقًا نُسرف فيه حين يغيب اليقين.
إنّه الكنزُ المخبوء في الإنسان… حين تُسلب منه كلّ الكنوز.
الأحلام، سيّدي، لا تُصنع في المعامل، ولا تُدرَّس في الكتب،
إنّها تُولد في مواضع الانكسار،
وتكبر في صمت الموجوعين.
هي ما تبقّى منّا حين يذبل كلّ شيء.
وإن بدا أنها لا تغيّر الواقع،
فإنّها — في الحقيقة — تُعيد ترتيب أعماقنا لنقفَ من جديد.
ثمّة مَن يأخذ الحلمَ إلى أقفاص الواقع،
يختصره، يُصغّره، يذبحه باسم "العقل".
وثمّة مَن يُطلق الواقع في سُقوف الحلم… لينمو.
وأنا من الأخير.
أحلامي، سيّدي، ليست سُلوى، بل مقامٌ داخلي ألوذ به من فوضى الخارج.
هي المعراجُ الصامتُ في زحمة التراب. تمدّني بما لا يقال، وتذكّرني بما أُنسِي في ضجيج الحياة.
في كلّ حُلم، تنكشف ملامح الإنسان الكامن فيّ:
ذاك الذي لا يرضى بأن يكون نسخةً من غرائزه،
ولا صدًى للآخرين.
ذاك الذي يختار أن يصبر واقفًا… لا أن يهرب منبطحًا.
لقد علّمتني أحلامي أن في داخلي نداءَ بقاء،
لا تُفنيه المحن، ولا تُطفئه العتمات.
كأنّ الله — حين خلقني — أودع فيّ قدرةً خفيّةً على النجاة، حتى حين أجهل وجودها.
في داخلي — منذ زمن — مخاضُ أحلامٍ لا تهدأ…
كلّما توارى حلمٌ خلف الجدار، ولدَ غيره من رماده.
بعضها يرى الضوء، وكثيرها يبقى في الظل،
لكنّها، مجتمعةً، هي التي تُبقيني حيًّا.
أحلمُ أحيانًا بحياةٍ أكرم،
لا أفراحٍ مُترفة، بل لحظاتٍ من السكينة، من الطمأنينة، من الكفاف العفيف. أتوغّل في تفاصيلها بمخيلتي…
أراها، أعيشها، أتنفّسها… ثمّ أفيق.لا على صفعة،
بل على صمتٍ باردٍ يذكّرني:
أنّ الحلم — وإن كان وهجًا — لا يكفي وحده…
لكنّه يُضيء الطريق.ومع هذا، لا أتخلّى عنه.
لأنّه ليس اختيارًا، بل ضرورة.أنا لا أحلم بما في أيديهم،
بل بما في قلبي. بما يتجاوزني… ويستحقّني.
فيا ليتني لا أفيق، ويا ليت الحلمَ لا يُؤخذ من بين يديّ…
كما أُخذ كلّ شيء.أما عن الإنسان…
فيا لَيت من يدرسوننا في المعامل،
ويتوسّلون فهمنا في قاعات البحث،
يدركون أن ما يبحثون عنه
قد كُتب في فطرتنا من أوّل خفقةٍ للروح.
نحن لا نُختصر في نماذج، ولا نُحاصَر في تصنيفات.
نحنُ نعيش، نحلم، ونُعيد تشكيل أنفسنا كلّما تهشّمت.
وفطرتي — يا سيّدي — كانت دائمًا: أن أحلم.
أن أقاوم بصمتي. أن أقرأ العالم بلغةٍ أخرى…
لا يفهمها إلا من سار وحده طويلًا.
فإن تاه قلبُك، وضاقت الأرض بما رحُبت…
فلا تسأل عن خارطة، بل أغمض عينيك،
وافتّش عن نداءٍ صغيرٍ فيك… سيُريك الطريق.
فثَمَّ الحياة.
