داخل الصراعات... فتّش عن السفارة
في هذا العالم الذي تشتعل فيه الحروب بلا إعلان،
وتتفكك فيه الأوطان دون قنابل،
ثمّة حضورٌ ثابت لا يتغير...
السفارة الأمريكية.
قد تبدو السفارة في ظاهرها مبنى دبلوماسيًا يرفع عَلَمًا ويتحدث باسم الدولة،
لكن في واقع السياسة الدولية،
ليست كل سفارة سفارة،
ولا كل علم بريء.
يقول أحد المفكرين الأمريكيين:
"أينما وُجدت السفارة الأمريكية… وُجدت الصراعات."
وقد لا تكون هذه مبالغة، إذا ما تأملنا الحوادث التي تكررت بنفس السيناريو،
في أكثر من مكان، وبأكثر من شكل…
لكن دائمًا في ظل سفارة.
في بيروت، طرابلس، بغداد، كييف، كابول، وحتى داخل بعض دول إفريقيا وآسيا…
كانت السفارة الأمريكية موجودة،
ثم وُجد بعدها الانقسام،
وتبعها تحرك ناعم للخرائط، وتغير مفاجئ في المواقف،
وانبعاث لما سُمي لاحقًا بالفوضى الخلّاقة.
السفارة لا تعمل وحدها،
فهي نقطة قيادة لشبكة واسعة من "الشركاء المحليين"،
منظمات غير حكومية، منصات إعلامية، وجماعات ضغط مجتمعي،
جميعها تتحرك بلغة "الدعم"، لكنها تؤدي مهمة "إعادة الهيكلة".
الأخطر أن كثيرًا من هذه السفارات لا تكون في كل دولة،
بل تُصمَّم إقليميًا لتشرف على ثلاث دول أو أكثر،
وتُدار من خلف أبوابها ملفات حساسة،
لا تعلم عنها الحكومات إلا ما يُسمح لها أن تعلم.
والمثير للتساؤل، أن هذه السفارات لا تُغلق في أوقات الحرب،
بل تزداد نشاطًا،
وتتحول إلى عقلٍ مدنيٍّ لإدارة مشهد عسكريّ.
لماذا؟
لأن المفهوم الأمريكي للسيطرة لا يحتاج لجيوش،
بل لمكان ثابت، واتصالات مفتوحة، وشبكة ناعمة من الحلفاء الصامتين.
السفارة الأمريكية ليست دائمًا مجرد تمثيل دبلوماسي،
بل في كثير من الحالات، تكون مركز تنسيق لمصالح واشنطن داخل الدولة المضيفة،
سواء تعارض ذلك مع سيادة الدولة أو توافق.
فكلما تساءلت لماذا تأزمت الأمور فجأة،
أو من حرك هذا الطرف ضد ذاك،
أو من أطلق الرصاصة الأولى في حرب لا يفهمها أحد…
فتّش عن السفارة.
فتّش في الاجتماعات المغلقة،
في اللقاءات التي لا يُعلن عنها،
في الأسماء التي تدخل ولا تخرج من قوائم النفوذ.
لست أطرح نظرية مؤامرة،
بل أُسلط الضوء على واقع موثق،
شهد به مفكرون، سياسيون، وحتى بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين أنفسهم،
مثل نعوم تشومسكي، وويليام بلَم، وجون بيركنز، وإدوارد سنودن، ورون بول.
في زمنٍ يُعاد فيه تشكيل العالم،
السفارات الأمريكية ليست مجرد نوافذ على الخارج…
بل نوافذ تدخل منها الرياح إلى الداخل.
لهذا، حين ترى النار تشتعل في دولة لم تكن تعلم أن فيها وقودًا…
توقّف، ولا تبحث عن النفط أو الغاز أو الطائفة،
بل فتّش عن السفارة.
