عندما يغيب الوعي
في زحمة العمل، وفي ذروة المسؤولية، أطلت عليّ كلمات الجالسين كأنها نذير شؤم. وقعت على مسامعي كصاعقة، لا مهرب منها. قال المتحدث بهدوء يخنقه الأسى: "لم أعش يومًا من شبابي خارج المعتقل. اعتُقلت وأنا في الثالثة والعشرين، ورأيت النور مجددًا في السادسة والثلاثين. كنت على بُعد أربعة أيام من زفافي، حين اقتادوني."
ألقيت ما بيدي ، وغلبني الفضول. قلت له: – أعد ما قلت، من فضلك... لا تُنقص، بل زد.
فأخذ يسرد حكايته ، وما ذاقه من قهر وحرمان، فغمرتني مشاعر لا توصف. تأثرت بعمق المعاناة وسنين العمر المهدورة، وأوشكت عيناي أن تدمعا من هول ما سمعت.
سألته: – هل أخبرتنا سبب اعتقالك؟ فقال مستنكرًا: – أسباب سياسية. كنت أنتمي إلى الجماعة الإسلامية، وهي حينها لم تكن مقبولة سياسيًا، قبل المراجعات الفكرية في السجن. قلت: – تحدّث، ولا تخف. فقال متفاخراً، والعظمة تملأ نبرته: – أنا، سيدي، أمير في الجماعة الإسلامية. اسمي وحده يُرهب السامعين، خاصة من يعرفون جهادي. – جهادك؟ – نعم، جهادي! ثم بدأ يسرد صور "جهاده"، وإليك إحداها:
"دعيتُ إلى حفل زفاف، فوجدتُ به راقصة. وكان معي أكثر من ثمانين أخًا، فنحن لا نتحرك إلا في جماعات. أخرجت مسدسي وأطلقت رصاصة في الجدار فوق رأس الراقصة، فهربت إلى الشارع، وهرب الحضور، وانتهى الفرح. ألا يعلمون أن الرقص حرام؟ لقد أفسدوا علينا ديننا، فأفسدنا عليهم فرحتهم! إنهم كفار."
قلت له بهدوء: – بل قل إنهم غير فاهمين. إنهم يطبقون عادات ورثوها، وتغييرها لا يكون بالرصاص بل بالدعوة والموعظة والفهم.
نظر إليَّ بدهشة وقال: – وما لك والدين؟ – أنا متخصص في الشريعة الإسلامية، وقد علمونا غير ما تقول. فردّ بانفعال: – لا علم إلا علم الجماعة الإسلامية. قلت مستنكرًا: – أي جماعة هذه يا رجل؟ قال بتحدٍ: – ما أنتمي إليها فقط، ودونها الكفر !
كان وقع كلماته عليَّ كالصاعقة. سألت نفسي قبل أن أسأله: – هل أكمل مع من غاب وعيه؟
قال عقلي: كفى.

هذا واقع نحياه و فكر شارد يؤثر على كثير.
إكمالك في محادثه شبه خاوية و غائبة عن الوعي جريمه بحق نفسك