حين يكون اللفظ القرآني نافذةً لأعمال العقل
حين يكون اللفظ القرآني نافذةً لأعمال العقل
المقدمة
لم يُنزَّل القرآن ليكون قاموسًا يُغلَق بعد البحث،
ولا نصًّا جامدًا تُسلَّم مفاتيحه لعقولٍ معطَّلة،
بل جاء خطابًا حيًّا، إذا لامس اللفظُ فيه العقلَ اشتعل، وإذا طرق المعنىُ القلبَ استيقظ.
وهنا تتجلّى حقيقة يغفل عنها كثيرون:
أن اللفظ القرآني لم يُخلق ليُنهي التفكير، بل ليبدأه، ولم يُقصد به إيقاف العقل، بل استدعاءه.
فاللفظ في القرآن ليس نهاية الفهم، بل عتبة الدخول إليه،
ولا يقف عند حدّ الدلالة القاموسية، بل يفتح نوافذ المعنى على آفاق التدبر.
هو لفظٌ مضبوط لا منفلت،
محكم لا جامد،
يحرس المقصد من العبث، ويمنع العقل من السقوط في كسل التقليد.
ومن ظنّ أن تعدد الدلالة ضعفٌ في البيان،
أو أن وضوح اللفظ يغني عن إعمال العقل،
فقد جهل طبيعة الخطاب الإلهي،
ذلك الخطاب الذي خوطب به الإنسان بما هو كائن عاقل،
لا آلة تكرار، ولا ذاكرة حفظ.
ومن هنا، يصبح اللفظ القرآني
لا جدارًا يُغلق المعنى،
بل نافذةً مشرعة لأعمال العقل،
لا يدخل منها إلا من تجرّد من الغفلة،
وتزوّد بأدب الحكمة.
المقال
اللفظ القرآني: من الدلالة الواحدة إلى أفق الحكمة
لو أراد الله للفظ القرآني أن يحمل معنى واحدًا مغلقًا،
لفعل…
ولو شاء أن يشرح كل لفظ شرحًا نهائيًا لا يقبل التدبر،
لفعل…
لكن القرآن لم يُنزَّل ليُصادر العقل،
بل ليُحرّره من الكسل.
ومن أصدق الشواهد على ذلك
لفظ «الأُمِّي»،
ذلك اللفظ الذي ظنه الغافلون بسيطًا،
فإذا به بحرٌ من الدلالة،
لا يفيض إلا على من أحسن السباحة.
النبي الأمي: حين تتحول الأمية إلى معجزة
يقول الحق سبحانه:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾
(الأعراف: 157)
ويقول:
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾
(الأعراف: 158)
هنا، لا يتحدث القرآن عن نقص،
ولا يعتذر عن جهل،
بل يبني حُجّة إعجاز.
فالأمية في هذا المقام
ليست عجزًا عن القراءة،
بل سقوطًا لكل دعوى بشرية
تُريد أن تفسّر الوحي بالتعلّم،
أو تنسب القرآن إلى ثقافة سابقة.
إنها أمية المصدر،
لا أمية العقل،
وبراءة التلقّي،
لا فقر المعرفة.
الأميون: الأمية بوصفها حالة معرفية لا لغوية
ثم يعود اللفظ ذاته…
لكن في مقام آخر،
وبدلالة أخرى.
يقول تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾
(البقرة: 78)
فهنا،
الأمية لا تعني عدم القدرة على القراءة،
بل غياب الوعي بالكتاب،
وحضور الوهم بدل الفهم.
ويقول سبحانه:
﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾
(آل عمران: 20)
ويقول:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾
(آل عمران: 75)
هنا،
الأمية حدٌّ فاصل بين منظومتين معرفيتين:
من تلقّى وحيًا سابقًا،
ومن لم يتلقَّ.
فاللفظ لا يتحدث عن الحروف،
بل عن المسؤولية الأخلاقية والمعرفية.
الأمية كحالة حضارية: حين يبدأ التاريخ من الصفر
ثم يبلغ اللفظ ذروة اتساعه:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾
(الجمعة: 2)
وهنا،
لم تعد الأمية فردًا،
ولا جماعة،
بل حالة حضارية كاملة.
أمة بلا كتاب،
بلا منظومة وحي مكتوبة،
فكان القرآن
لا امتدادًا لما قبله،
بل بداية جديدة للتاريخ.
هل تعدد المعنى فوضى؟ أم حكمة؟
ليس هذا التعدد عبثًا،
ولا تناقضًا،
ولا لعبة لغوية.
إنه تدرّج في الخطاب،
واختبار للعقول،
وتفاوت مقصود في الفهم.
فالقرآن:
يخاطب العامة بالظاهر
ويخاطب الحكماء بالإشارة
ولا يحرم أحدًا من نصيبه
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
الخاتمة
إن اللفظ القرآني لا يضيق،
لكن العقول هي التي تضيق.
ولا يُغلق باب المعنى،
لكن الغافلين ينامون أمامه.
ومن فهم اللفظ دون مقصد
ضلّ،
ومن عبث بالمقصد دون لفظ
ضلّ،
ومن جمع بينهما
اهتدى.
وهكذا،
حين يكون اللفظ القرآني نافذةً لأعمال العقل،
لا يبقى للوهم سلطان،
ولا للجمود مقام،
ويعود الوحي
كما أُنزِل:
هدى للعقل، ونورًا للقلب، وطريقًا للإنسان.
