حين أدهشتني الحضارة… وأوجعتني الحقيقة
كنتُ منبهرًا…
بل مفتونًا بما بلغته الحضارة الغربية من تقدم ورقي ونظام.
مدنٌ ذكية، مؤسسات عملاقة، دقة، نظافة، احترام للقانون، حقوق تُرفع على اللافتات…
كل شيء يوحي بالرقي الإنساني، وكأن العالم هناك على موعدٍ مع الكمال.
لكن ما إن اقتربت، لا جسدًا بل فكرًا…
ما إن فتحت نافذة الوعي لأتأمل العمق،
حتى رأيت ما يُحزن الروح ويهزُّ الإيمان بالحضارة.
وجدتُ حضارةً تُتقن كل شيء… إلا الإنسان.
حضارةً مبهرة الشكل، فارغة الجوهر.
صروحًا من الزجاج… تخفي نفوسًا من صخرٍ بارد.
رأيتُ بأم عيني كيف يُقتل المعنى باسم الحرية،
وكيف يُشنق الضمير في ميدان السوق،
وكيف تُستبدل الرحمة ببرود السياسات،
وكيف تتحول القيم إلى سلعةٍ مؤقتة.
عذرًا إن بدوتُ قاسيًا…
لكن ما رأيته لا يوصف إلا بما قاله صديقي ذات يوم:
> "إن ما ظهر لي في هذه الحضارة، هي أخلاق أهل الكهوف حقًا."
لا الكهوف بمعناها البدائي، بل الكهوف التي يغيب فيها النور، وتعلو فيها عبادة الذات، وتُقبر فيها الفضيلة.
لقد شُوهت الصورة…
حضارةٌ بلا روح، ولا رسالة، ولا بوصلة.
وكأنها سفينة ضخمة تُبحر بأقصى سرعة… نحو المجهول.
لقد تحوّلت الحضارة الأنجلو-ساكسونية، التي تغنت يومًا بالقيم والإنسانية، إلى مشروعٍ ضخم لاحتكار الأرض ومن عليها، وإلى إمبراطورية حديثة تُصدّر الموت باسم السلام، وتنهب باسم التنمية، وتغزو العقول قبل الجغرافيا.
وما ازداد الألم إلا حين أدركتُ كيف شوّهوا حضاراتٍ كانت أمثلة للمعنى،
كيف شوهوا الشرق، واختزلوا العظمة في المظهر،
كيف جعلونا نُصدق أن لا حضارة إلا ما يصدر عنهم، وأنّ ما عداه بدائي، عشوائي، ومتخلف.
لكن… الجهل كل الجهل أن نصدقهم.
والخذلان كل الخذلان أن نُعجب بهم حتى الذوبان.
فنحن أبناء حضاراتٍ عظيمة…
حضاراتٍ تكاملت لا تنافرت، وتعانقت لا تصارعت،
حضاراتٍ جعلت من الفضيلة أساسًا، ومن الرسالة نبضًا، ومن السماء دليلًا.
وإن ظن الطغاة أن الحضارة تُحسب لأشخاصهم، فإن التاريخ يُثبت أن الحضارة تُكتب باسم الأمم، لا الأفراد.
---
ملعونٌ هو التقدم حين يخلو من الفضيلة،
فبكلمةٍ واحدة قد تُوقظ أمة،
وبلحظة وعي… تبدأ النهضة.
