ظلال الخوف… واختبار العروش
عن إختبار الصين وروسيا لقدرة الدفاعات الأوروبية والأمريكية ، أتحدث
في عالمٍ تتوهّم شعوبه أن قواه العظمى قادرة على ضبط كل شاردة وواردة، تكفي شرارة صغيرة لتُسقط هذا الوهم المهيب. لم تعد السماء تحتاج إلى أسرابٍ من الطائرات ولا المدن إلى جيوشٍ جرّارة حتى ترتجف؛ يكفي منطاد يتهادى في العُلو، أو طائرة مسيّرة تخترق الأجواء، أو انقطاع تيارٍ كهربائي يعمّ مدينة، حتى يهتزّ اليقين بقدرة الدولة على الحماية. لقد غدت الرموز الصغيرة أخطر من المدافع، لأنها تضرب في الصميم صورة الحصانة المطلقة التي تتغذى عليها أسطورة "القوى الكبرى".
وهنا يتبدّى المشهد: إنّها اختبارات تقيس رعب الغرب قبل قوتِه. تُرسل الطائرة المسيّرة أو يختفي الضوء لا لتُحدِث دمارًا، بل لتقرأ في وجوه الناس وساسة العروش حجم القلق. فيغدو الخوف هو المقياس الحقيقي للقوة، لا الحديد ولا الصواريخ.
ثم تنطلق المرحلة التالية: الحرب على المعنى. ما ينهار ليس جدارًا ولا شبكة كهرباء، بل صورةٌ راسخة في وعي الشعوب أن حكوماتها "تسيطر وتضمن وتقي". فإذا رأى المواطن مطاره يُغلق، أو سمع عن توغّل المنطاد في أجواء عظمته، اهتزَّت الفكرة في داخله، وتسرّب الشك إلى يقينه. ومن قلب الشعوب يسري القلق إلى الساسة؛ فالزعيم الذي يستمد شرعيته من وهم القدرة على الحماية، يفقد صلابته حين يتزلزل هذا الوهم.
ولأن الفكرة إذا انكسرت داخل المواطن انعكس صداها على الحاكم، فإن الخصوم لا يحتاجون إلى حرب شاملة؛ يكفي أن يزرعوا الهاجس النفسي ليقوم الباقي من تلقاء نفسه. هذه هي لعبة العصر: معركة على الوعي قبل أن تكون على الأرض.
وما نراه اليوم في أوروبا ليس مجرد صدفة. فبولندا، الواقعة على خط التماس، تُجسّد هذا الخوف في صورته القصوى؛ رعبٌ يلتهم السياسة قبل أن يطرق الأبواب. وسيتمدّد هذا الشعور إلى الداخل الأوروبي شيئًا فشيئًا، حتى يكتشف القادة أن عروشهم لم تعد تحكمها الجيوش وحدها، بل قلوب شعوبٍ تبحث عن الأمان ولا تجده.
وهنا، تتعاظم ثقة بوتين وشي. فهما لا يراهنان فقط على ترسانات السلاح أو صلابة التحالفات، بل على هشاشة النفوس خلف الأسوار. حين يدركان أنّ الغرب يمكن أن يُربك بطائرة صغيرة أو انقطاع عابر، تتأكد لهما أن معركة القرن ليست بين جيوشٍ متقابلة، بل بين ثقة تُبنى وثقة تنهار.
وهكذا، يبدأ التاريخ من جديد: لا بصوت المدفع، بل بهمسة الخوف التي تسقط الأسطورة.

