عدل ينبض بالرحمة
رأيتُ عدلَ ربي يتجلّى في قوانين الأرض التي سنّها على جميع عباده؛ مؤمنهم وكافرهم، شاكرهم وجاحدهم. فمن اجتهد ظفر، ومن زرع حصد؛ وهكذا يفهم القلبُ لماذا سمّى الله نفسه العدل. فالعدل الحقّ هو أن يُعطى الخصم حقَّه، وأن يُؤتى من أنكر فضل الله نصيبه من سننه الجارية. في باطن هذا العدل تكمن رحمةٌ لا يراها إلا ذو بصيرة.
ألا ترى قمة العدل في أن الله منح إبليس—وهو الذي تكبّر ورفض السجود لآدم—مهلةً إلى يوم يُبعثون؟! ما أعظمها من سنّة: عدلٌ يشمل حتى من تمرّد، ورحمةٌ تسري حتى في حق من عصى. وخلاصة القول: عدلُ ربّي لا يفرّق بين مؤمن وكافر في سنن الكون؛ فالسنّة تسري على الجميع، والباب مفتوح لمن عمل، والنتيجة ثمرة للجدّ لا للهوية.
ومن هنا أستطيع أن أجيب عن السؤال الذي يثير الاستغراب: لماذا نرى الكافر ينعم بالرفاهية بينما يُحرم منها المؤمن؟
إنه ليس حرمانًا ولا ظلماً، بل قمة العدل. فالسنن لا تُجامل أحدًا، والعمل لا يُسأل عن هوية صاحبه، والمنظومة التي أقامها الله في الكون لا تنحاز إلا للجدّ والسعي. فمن أخذ بالأسباب نال ثمرتها، سواء آمن أو جحد، ومن عطّلها خسر، مهما كان إيمانه راسخًا. هكذا يتحقق العدل الإلهي في أسمى صوره: عدلٌ لا يعطي الامتيازات بالانتماء، ولا يحجب النعمة عن أحد، بل يفتح أبوابه لمن عمل، ويغلقها عمّن قصّر.
وحتى أنبياؤه—وهم صفوته وخيرته من خلقه—لم يُعفَوا من سنّة الأسباب. لم يُعطِهم الله امتيازًا يخرق قوانين الحياة، بل حمّلهم عبءَ العمل، ليكون عدله تامًا، وحجته بالغة. فالأنبياء ما انتصروا إلا ببذل، وما هُدوا إلا بسعي، وما تحقق لهم وعد الله إلا بعد أن استوفوا شرطه: الأخذ بالأسباب.
قمة العدل الذي يملأه الرحمة، ومن عظمة عدله أن جعل الرحمة مقرونة بالمغفرة، وذلك لعلمه بطبيعة خلقه الذين يميلون عن العدل كلما أُعطوا الحرية. فالإنسان، كلما تركت له الحرية، كان أقرب إلى عدم الالتزام، ولذلك سبقت رحمته غضبه.
ولذلك جعل ربي الدعاء مخّ العبادة؛ فكل وحيٍ من الله هو درسٌ في كيفية تقرب العبد إلى ربه بالدعاء. حتى آدم، عندما أنزله ربي إلى مستوى أقل مما خُلق له، لم يعلمه إلا الكلمات التي بها يتقرب إلى ربه. فالدعاء، إذن، هو المفتاح الذي يفتح أبواب الرحمة في تطبيق عدل الله، ويظل الجسر الذي يصل بين إرادة الخالق وجهد المخلوق.
وفي ختام هذا التأمل، ندرك أن عدل الله، الذي ينبض بالرحمة، هو جوهر الكون وسره الخفي. فالسنن الإلهية لا تظلم أحدًا، والنتائج دائمًا منسوبة للجهد والسعي، لا للإيمان أو الإنكار وحدهما. وكل دعاء صادق يُرفع كجسر يربط بين إرادة الخالق وحرية المخلوق، فتفتح أبواب الرحمة، وتتحقق السنن في أرقى صورها.
فالعدل هنا ليس مجرد قانون، بل رسالة كونية: أن الحياة تثمّر لمن أخذ بالأسباب، وتغلق لمن قصر، وأن الرحمة تسبق العقاب دائمًا، لأن الله يعلم طبيعة الإنسان وضعفها، ويغمرها بحكمته قبل أن يبتلى بالقصور.
وهكذا، يظل العدل الرحماني الإلهي مدرسة للأرواح، ومرآة للوعي، ودعوة مستمرة لكل مخلوق أن يسعى ويجتهد، وأن يرفع قلبه بالدعاء، ليكون بين العمل والرحمة توازنًا حيًّا، يكشف للإنسان معنى وجوده في هذا الكون.

الحمد لله على نعمة الإسلام وعلى نعمة العقل المسلم الواعي الذي يهتدي بنور الحق ويزداد به ثباتًا وإيمانًا