أوهام السيادة… حين يلبس المنبوذ ثوب العظمة
حين يسطو اللقيط على تاريخ الحضارات، ويصنع من شتاته ملحمةً وهمية، تدرك أن الزمان قد اختلّ، وأن الهيمنة قد بلغت مبلغها، حتى باتت تُنفخ في الرماد لتصنع منه شعلةً توهم بها العميان.
لقد عرف التاريخ أُممًا خُلِقت من صلصال الأرض ووهج الشمس، بَنَت حضاراتها فوق صبرها، ودفعت من دمها لبنة كل صرح. أما هؤلاء، فليسوا إلا أشلاء من شتاتٍ متفرقٍ، جُمِعوا لا ليرتقوا، بل ليتخذوا سيفًا في يدٍ ليست لهم.
منذ أن لفظهم التاريخ من بابل إلى مصر، ومن مصر إلى روما، ثم من أوروبا إلى كل بقعة، كانوا كالجذام تتطهر الأرض منه بالطرد أو النبذ. لم تكن "الدولة" التي قامت لهم نتاج كفاح، بل كانت وعدًا ممن لا يملك، لمن لا يستحق. وعد بلفور لم يكن عهدًا، بل صفقةً في مائدة هيمنة.
لقد صنعتهم القوة الغربية لا الرسالة السماوية، وجعلت منهم فزاعةً توجِع بها الشرق إن تمرّد، وتروّع بها الغرب إن استفاق. حتى "بطولاتهم" في الحروب، لم تكن إلا ساحة تدريب لأسلحة الهيمنة، وضمانًا لتسويق رعبٍ محسوب.
يتغنّون بالنصر على شعوبٍ محاصرة، ويزعمون أنهم بنوا حضارة في صحراء، بينما الحقيقة أن الأرض سُرقت، والوعي زُيّف، والمشهد كلّه تمثيل بإنتاج استعماري وإخراج إعلامي.
ولأن الكذبة إذا كُرّرت صدّقها أصحابها، تجرّأوا اليوم على مهد الحضارات:
على مصر التي ربت موسى عليه السلام،
وعلى العراق الذي تنفّس فيه نبوخذ نصر،
وعلى فارس التي دوّنت أول شرائع الإنسان،
حتى غدا منبوذ التاريخ يتوهم السيادة، ويهدد مَن كان بالأمس يخشاه اسمه.
لكن فليعلم المتغطرس شيئًا:
أن من نُفي من كل أرض، لا يمكنه أن يرث الأرض.
وأن من طُرد من القلوب قبل الحدود، لا يمكنه أن يُقيم ملكًا.
وأن من عاش على دعم الهيمنة، سيموت برفع يدها،
فما نُفخ فيك ليس روحًا، بل هواءٌ سياسي، إذا انقطع سقطت من عليائك.
فلا تغرّنك الـ F-35، ولا الباتريوت، ولا الصورايخ ذات الدقة الخرافية…
فكلّها هبات وليست لك،
ولن تصمد لحظة إذا أدار السيد ظهره.
وأخيرًا، ليتهم قرأوا التاريخ جيدًا، لعلموا أن نهاية كل منبوذٍ مغتر، هي التلاشي بصمتٍ، أو الرحيل بألمٍ، أو السقوط بسخرية.

شكرا لدعمكم الكريم