ٱلْمَجْلِسُ ٱلْأَخِيرُ… حِينَ يَسْكُتُ ٱلْوَحْيُ وَيَحُلُّ ٱلظَّلَامُ
هذا المقال رؤية تأملية رمزية، لا تمثل موقفًا سياسيًا، بل استشرافًا لمصير البشرية حين يُقصى الوحي عن الحياة.
مَاذَا لَوْ حَلَّ ٱلظَّلَامُ؟
مَاذَا لَوْ غَابَ ٱلنُّورُ عَنِ ٱلْقُلُوبِ قَبْلَ ٱلطُّرُقَاتِ؟
مَاذَا لَوِ ٱسْتَيْقَظْنَا ذَاتَ صَبَاحٍ، فَلَمْ نَجِدْ فِي ٱلْأَرْضِ آيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ؟
لَا قُرْآنٌ يُتْلَى،
وَلَا كَنِيسَةٌ تَفْتَحُ أَبْوَابَهَا لِلْفُقَرَاءِ،
وَلَا مَنَارَةٌ تُشِيرُ إِلَى ٱلْقِبْلَةِ،
وَلَا فِطْرَةٌ تَقُولُ: "هَذَا حَقٌّ، وَهَذَا بَاطِلٌ".
مَاذَا لَوْ صَارَ ٱلدِّينُ تُرَاثًا يُضْحَكُ عَلَيْهِ،
وَٱلْوَحْيُ قِصَّةَ أَطْفَالٍ تُرْوَى فِي ٱلْهَامِشِ؟
وَصَارَ ٱلْإِنسَانُ هُوَ ٱلرَّبَّ، وَٱلْقَانُونُ هُوَ ٱلنَّبِيَّ،
وَٱلْآلَةُ هِيَ ٱلْمُلْهِمَةُ،
وَصَوْتُ ٱلضَّمِيرِ يُعْتَبَرُ خُرَافَةً.
مَاذَا لَوْ أَصْبَحَ ٱللَّهُ غَرِيبًا فِي أَرْضِهِ؟
وَٱلسُّجُودُ مَمْنُوعًا… لِأَنَّهُ "رَجْعِيٌّ"،
وَٱلرَّحْمَةُ مَحَلُّ مُسَاءَلَةٍ… لِأَنَّهَا "غَيْرُ عَقْلَانِيَّةٍ"،
وَٱلْإِيمَانُ جَرِيمَةٌ فِكْرِيَّةٌ تُعْرَضُ عَلَىٰ مَنْصَّةِ تَحْقِيقٍ؟
لَنْ يَكُونَ ٱلظَّلَامُ حِينَئِذٍ ٱنْقِطَاعَ كَهْرَبَاءِ،
بَلْ ٱنْقِطَاعَ ٱلْمَعْنَىٰ،
ظَلَامًا لَا يُشْبِهُ لَيْلًا بَهِيمًا،
بَلْ مَوْتًا لِلرُّوحِ فِي جَسَدٍ يَتَنَفَّسُ.
هُنَاكَ لَحَظَاتٌ نَادِرَةٌ فِي ٱلتَّارِيخِ،
لَا تُقَاسُ بِٱلتَّقْوِيمِ، بَلْ تُقَاسُ بِدَرَجَةِ ٱلِٱنْحِرَافِ عَنِ ٱلنُّورِ.
لَحَظَاتٌ لَا تَسْبِقُهَا صَفَّارَاتُ إِنْذَارٍ، وَلَا تُعْلِنُهَا نَشَرَاتُ ٱلْأَخْبَارِ،
بَلْ تَنْحَدِرُ عَلَىٰ ٱلْعَالَمِ كَمَا يَنْحَدِرُ ٱللَّيْلُ عَلَىٰ مَنْ لَمْ يُشْعِلْ مِصْبَاحَهُ.
فِي إِحْدَى خَوَاطِرِي،
تَسَاءَلْتُ فِي تَأَمُّلٍ مُوْجِعٍ:
مَاذَا لَوْ صَارَتِ ٱلْهَيْمَنَةُ صِينِيَّةً؟
مَاذَا لَوِ ٱجْتَمَعَ مَجْلِسُ قِيَادَةِ ٱلْعَالَمِ،
يَتَصَدَّرُهُ "شِي"، وَعَلَىٰ يَمِينِهِ "بُوتِين"، وَيَسَارِهِ "كِيم"،
وَمِنْ خَلْفِهِمْ حَشْدٌ مِنَ ٱلزُّعَمَاءِ ٱلَّذِينَ جَمَعَهُمُ ٱلطُّمُوحُ وَفَصَلَهُمُ ٱلضَّمِيرُ؟
ثُمَّ أُعْلِنَ فِي أَوَّلِ بَيَانٍ:
"لَقَدِ ٱنْتَهَىٰ عَهْدُ ٱلْوَحْيِ.
مِنَ ٱلْيَوْمِ… لَا وَصَايَا سَمَاوِيَّةٌ،
لَا أَنْبِيَاءَ، لَا كُتُبَ، لَا رِسَالَاتٍ.
ٱلْأَرْضُ هِيَ مَصْدَرُ ٱلْقَانُونِ،
وَٱلْإِنسَانُ هُوَ مَرْجِعُ ٱلْإِنسَانِ."
هَكَذَا… طُوِيَتْ صَفْحَةُ ٱلسَّمَاءِ،
وَٱنْطَفَأَتْ شُعْلَةُ ٱلْأَنْبِيَاءِ،
وَغُيِّبَ ٱسْمُ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمَحَافِلِ،
فَلَا "يَا ٱللَّهُ" فِي ٱلْمُؤْتَمَرَاتِ،
وَلَا "رَبَّنَا" فِي مَوَاثِيقِ ٱلْحُقُوقِ،
وَلَا سَجْدَةٌ تُرْفَعُ مِنْ أَرْضٍ إِلَىٰ عَرْشٍ.
لَمْ يَكُنِ ٱلْمَشْهَدُ سِيَاسِيًّا…
بَلْ بِدَايَةُ عَصْرِ ٱلظَّلَامِ ٱلدِّيْنِيِّ،
ذَٰلِكَ ٱلظَّلَامُ ٱلَّذِي لَا تُطْفِئُهُ ٱلْمَصَابِيحُ،
لِأَنَّهُ لَا يَسْكُنُ فِي ٱلطُّرُقَاتِ،
بَلْ يَسْكُنُ فِي ٱلْقُلُوبِ ٱلَّتِي نَسِيَتْ أَنَّهَا مِنْ نُورٍ.
لَقَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَصْنَعُونَ حَضَارَةً،
وَلَٰكِنَّهُمْ نَسُوا أَنَّ ٱلْحَضَارَةَ ٱلَّتِي لَا يَقُودُهَا ٱلْوَحْيُ،
هِيَ بِنَاءٌ مُدْهِشٌ عَلَىٰ شَفِيرِ هَاوِيَةٍ.
فَهَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ ٱلنُّورَ سَيَبْقَىٰ بَيْنَنَا،
إِنْ نَحْنُ طَرَدْنَا صَاحِبَ ٱلنُّورِ؟
هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ ٱلرَّحْمَةَ تُصْنَعُ فِي مَصَانِعِ ٱلْقَرَارِ،
أَمْ أَنَّهَا تُولَدُ مِنْ خَشْيَةِ ٱلْقَلْبِ وَخُضُوعِهِ لِرَبٍّ أَعْلَىٰ مِنْ كُلِّ ٱلْكَرَاسِي؟
يَا نَائِمِينَ فِي زَمَنِ ٱلْبَرْقِ ٱلِٱصْطِنَاعِيِّ،
يَا مَنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ ٱلْعَقْلَ وَحْدَهُ يَكْفِي،
ٱنْتَبِهُوا…
فَٱلْأَرْضُ ٱلَّتِي تَسِيرُ بِلَا وَحْيٍ،
تَمْشِي إِلَىٰ حَتْفِهَا،
وَٱلْمُجْتَمَعُ ٱلَّذِي يُقْصِي ٱلْأَنْبِيَاءَ،
يُعِيدُ إِنْتَاجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ… بِرَبَطَاتِ عُنُقٍ وَسَاعَاتٍ ذَكِيَّةٍ.
لَيْسَ هَذَا خَيَالًا،
بَلْ ٱسْتِشْعَارٌ لِمَا تُهَيِّئُ لَهُ قُوًى صَامِتَةٌ… تَعْمَلُ،
تَبْنِي عَالَمًا لَا مَكَانَ فِيهِ لِلَّهِ،
وَلَا لِلْفِطْرَةِ، وَلَا لِلْغَيْبِ، وَلَا لِلسُّجُودِ.
فَإِنْ لَمْ نُعِدْ لِلْوَحْيِ مَكَانَهُ،
سَيَعُودُ ٱلْإِنْسَانُ إِلَى ٱلْعَدَمِ،
وَسَيُولَدُ جِيلٌ لَا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ،
لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ يَوْمًا نِدَاءَ ٱلسَّمَاءِ.
صَوْتٌ لِلْغَافِلِينَ
يَا أَبْنَاءَ ٱلْغَفْلَةِ… تَيَقَّظُوا،
فَٱلنُّورُ إِنْ ذَهَبَ، لَا يُسْتَرْجَعُ بِسُهُولَةٍ،
وَٱلْوَحْيُ إِنْ سُكِتَ عَنْهُ،
سَيَتَكَلَّمُ غَضَبُ ٱلسَّمَاءِ بَدَلَهُ.


مقالتك رائعة ولقد كتبت مقالا يشبه ولكن ركزت علي الفطرة التي نسيناها وابتعدنا عنها.
فحين يقصي الوحي لا يختفي النور فقط بل تنهار المعاني من جذورها.
القرآن ليس كتاب دين، بل هو مركز التوازن الأخير في هذا العالم
وإذا سحب هذا المركز، فلن يبقى إنسان بل مجرد آلة تتنفس وتبرمج وتقاد
الظلام الحقيقي لا يبدأ بانقطاع الكهرباء، بل بانقطاع الهداية عن القلب.
فاللهم ردنا إليك رداً جميلاً
لم أصادف مقالا جميلا للدين الإسلامي مثل هذا !