رسالة إلى الرئيس دونالد ترمب
سيدي الرئيس
أكتب إليك لا بصفتي طرفًا في خصومة سياسية، ولا صوتًا يتعالى من على ضفاف عالمٍ مضطرب، بل بصفتي إنسانًا يقرأ حركة التاريخ بعينٍ مفتوحة، ويُصغي إلى ما تهمس به التحولات الكبرى عندما تضيق بها الكلمات.
إن قراراتك يا سيدي لا تميل بك نحو المستقبل الذي تُرِيد أن تصنعه، بل تدفع العالم إلى ارتجاجات لا تُرى أولها ولا يُعلم آخرها. فالأمم العظمى لا تقيس قوتها بحدّة القرارات، بل بقدرتها على أن تجمع المختلفين حولها، لا أن تُبعثرهم بعيدًا عنها.
لقد حملتَ شعار "استعادة العظمة"، لكن السياسات التي اتخذتها ـ وإن بدت لك أوراقًا رابحة ـ تُلقي بالولايات المتحدة في طرق معتمة، تشبه عزلة العواصف أكثر مما تشبه سيادة الإمبراطوريات.
فـ فرض الرسوم الجمركية على معظم دول العالم لا يبني سور قوة، بل يرفع جدارًا يحجب عن أمريكا شرايين التجارة التي صنعتها يومًا بيدها.
ومعاملة أوروبا ـ وهي رئة التحالف الغربي ـ كأنها تابعة لا شريكة، إنما تقطع خيطًا ناعمًا نسجته عقود من الدماء والمصالح والتاريخ المشترك.
أما ألمانيا واليابان ودول الخليج، فالتعامل معها بعقلية الدائن والمدين، لا بعقلية التحالف المتبادل، يزرع في الأعماق شعورًا بأن القوة فقدت حِكمتها.
وأما الدول الكبرى كالصين وروسيا، فليست أعداء وجوديين كما تتعامل معهم، بل منافسون في ساحة تتسع للجميع، واعتبار المنافس عدوًا هو الخطأ الأول الذي يسبق كل حروب التاريخ.
ثم تأتي الدول النامية؛ تلك التي تراها كيانًا بلا وزن. لكنها ـ وإن ظننتها صغيرة ـ هي أسواقك التي تتنفس منها تجارتك، ومسرح النفوذ الذي إن تركته، ملأته الصين وروسيا دون أن تنظر خلفها.
سيدي الرئيس
إن أخطر ما يلوح في الأفق أنك تتعامل مع الشعب الأمريكي وكأنهم موظفون في "مؤسسة ترمب"، لا مواطنين في دولة كانت يومًا قائدة للعالم الحر. الدولة ليست شركة، والناس ليسوا موظفين، والتاريخ لا يدار بعقلية الصفقة.
احذر ـ ولست إلا نذيرًا ـ من أن تُعيد رسم مصير الإمبراطوريات كما حدث لقيصر روما حين ظن أن السلطة هي العصا التي لا تُكسر، أو كما حدث لهرقل الفرس حين غفل عن أن الشرعية أقوى من السيوف.
فالإمبراطوريات لا تنهار من ضربة واحدة، بل تتآكل حين يختلّ توازن القوة والضمير.
ولا تنسَ يا سيدي، أن الإمبراطورية التي وُلدت أنت في ظلها، لم تعد وريثة العالم كما كانت، وأن سياساتك تُسرّع انتقالها من مقام القيادة إلى مقام التحالف، ومن مركز الهيمنة إلى مقاعد المساومة.
أكتب إليك لا طلبًا لسلطة، ولا رغبة في مجد، بل لأن الكلمة إذا لم تُنَبّه، خذلت ضمير صاحبها.
