على حافة الهاوية… حين تُساق البشرية إلى الجنون
العالم اليوم يقف كما لو كان لاعبًا متهوّرًا يتمايل على حافة هاوية سحيقة، يلوّح بالقوة فيما يختبئ الاضطراب في داخله. طبول الحرب تُسمَع في الأفق، ورائحة البارود تسبقها إلى أنوفنا، والتحالفات التي صانت التوازن لعقود تتفكك شيئًا فشيئًا، فيما تصحو النعرات القومية كوحشٍ استيقظ من سباته الطويل.
إنها سياسة الوصول إلى الحافة؛ أن تدفع خصمك إلى أقصى التوتر، على أمل أن يتراجع قبل الانفجار. لكنها سياسة مقامرة؛ أشبه بمن يشعل عود ثقاب فوق برميل بارود. قد ينجح مرة، وقد يرهب خصمه، لكنه إن أخطأ لحظة، فلن ينجو أحد من النيران. أزمة الصواريخ الكوبية شاهدة على ذلك: حين كاد العالم أن يحترق بنيران نووية، ثم أنقذه توازن العقلاء في آخر لحظة.
غير أنّ المشهد اليوم أكثر تعقيدًا من زمن الحرب الباردة؛ إذ لم يعد العالم ثنائي الأقطاب، بل تعددت القوى وتشابكت المصالح، وازدحم المسرح بلاعبين يجرّ كلٌّ منهم اللعبة إلى اتجاهه
وجوه السياسة في زمن الاضطراب
زعماء الحافة: ترامب بشعبويته الصاخبة، وبوتين بعقيدته القيصرية، وكيم يونغ أون بجرأته النووية، وإيران التي تجمع بين التحدي والبراغماتية. هؤلاء يرفعون صوتهم ويهزون المسرح، حتى وإن هددوا بانهياره.
زعماء الوسط: ماكرون وستارمر. الأول يتأرجح بين طموح زعامة أوروبية وواقعٍ يفرض حدودًا صارمة، والثاني يحاول إعادة رسم صورة بريطانيا بملامح هادئة بعد عواصف "البريكست". كلاهما يُمسك العصا من المنتصف، خشية السقوط في فخ التصعيد.
النمر الكامن: شي جينبينغ. يترقب اللحظة، يتقدّم بخطوات محسوبة، يُظهر وجهًا ناعمًا في الدبلوماسية، لكنه يخفي في العمق صبرًا استراتيجيًا لا يخلو من نية الانقضاض، سواء في بحر الصين الجنوبي، أو في ملف تايوان، أو في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
المكلوم: شولتز في ألمانيا واليابان في أقصى الشرق. ألمانيا تحاول التوفيق بين إرثها السلمي وضغوط الحرب الأوكرانية، فيما اليابان أسيرةُ ذاكرة هزيمتها، تتحرك في ظلّ مظلة أمريكية ولا تجرؤ على الانفصال عنها.
المنقاد: إيطاليا وأستراليا وكندا، وغالبية دول الناتو. تسير خلف القوى الكبرى، تبحث عن المظلة الأمنية أكثر مما تسعى إلى المبادرة، فتبدو حركتها انعكاسًا لا صناعة.
الخانع: كثير من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، التي ترزح تحت أثقال الداخل وضغوط الخارج، فتفضّل البقاء على الهامش ولو بثمن الخضوع.
المتمرد: الهند، التي ترفع شعار "المصالح القومية أولاً"، تتعامل مع الجميع ولا تنحاز لأحد، وكأنها تقول للعالم: "إما أن نتعامل بندّية، أو فلتذهبوا جميعًا للجحيم".
ما وراء المشهد
إنّ هذه الخريطة تكشف عن لوحة متصدعة: قوى تلعب بالنار، أخرى تتأرجح بين الوسطية والحذر، ثالثة كامنة بانتظار اللحظة المناسبة، وأخرى خانعة أو منقادة أو متمردة. والنتيجة أن النظام الدولي يبدو أشبه بآلةٍ موسيقية فقدت قائدها؛ كلّ وترٍ يعزف نغمةً خاصة، والسمفونية التي كانت تضبط الإيقاع تحوّلت إلى ضجيج يهدد بالانفجار.
لكن، من يضمن أن لعبة الحافة ستظل لعبةً فقط؟ إنّها قد تتحول في لحظةٍ واحدة إلى سقوطٍ في الهاوية، سقوطٍ لا غالب فيه ولا مغلوب، بل خراب يبتلع الجميع.
العالم أمام مفترق طريق: إمّا أن ينحاز للعقلاء الذين يدركون أنّ الحفاظ على الإنسانية أهم من تسجيل نقاطٍ في معركة النفوذ، أو أن يستسلم لصوت الجنون الذي يدفعنا جميعًا إلى الهاوية.
ولعلّ السؤال الأهم اليوم ليس: من الأقوى؟ بل: من الأوعى؟
فالتاريخ لا يخلّد صرخة القوة بقدر ما يخلّد حكمة البقاء.


إني أقدر عظيما احترامكم لفكري ،غير أني لست بمنأى عما أصاب جيلي فقد نالني منه نصيب ،ولا أدري حتى من أين يكون البدء ؟ قد منّ الله علي بشيء من القدرة على استقراء الواقع ربما وفهم مساراته لكن السؤال الذي لا يزال يثقل كاهلي :كيف يكون التغيير ؟ وماذا بوسع فرد مثلي أن يفعل ؟ فما أنا إلا نفس تحاول أن تنتشل ذاتها من أثر هذا التيه وتتشبث بخيط قد يقودها إلى بر الأمان .أحمد الله أن بيّن لي بعض معالم الطريق وسخّر من عباده من يوقظ ويدل من أمثالكم ففيما تخطونه بصيص نجاة يعينني ويعين أبناء جيلي .
أسأل الله أن ييسر مواصلة الطريق لنا ولكم
يخيل إلي أن هذا الجنون المستحكم ماعاد يلتهم الحاضر وحده بل هو حريص على اغتيال وعي النشئ قبل أن يشتد عوده _ وبهذا اغتيلت امكانات المواجهة _ وقد صاغ ادواته بمنتهى المهارة :إعلام موجه ،تعليم مفرغ ،خطابات منمقة .
فصار الجيل أسير شعارات صاخبة وأفكار مفرغة المعنى مائعة لاتملك أرضية صلبة تحمي وعيه من تقلبات هذا الجنون ؛ تشكله الشعبوية وتوجهه مصالح القوى ولا يُتوقع ما يتفاعل معه _ مع أي خطاب يتماهى؟ بعد ما فقد توازنه واستقلاله _ وإذا غاب العقلاء عن توجيه الوعي واستمر غسيل العقول في صناعة أجيال مشوشة فلن يبقى من يصحح المسار ،وحده الوعي الحر إذا بث في النشئ قادر على كسر هذه الدائرة ،لكنه صار لقاحا نادر ليس إلا في في أيد المربين العقلاء فإن تداركوا الوضع ولد جيل يحمل المناعة ضد هذا الوباء ، وإلا أصبح الغد نسخة أكثر بؤسا من اليوم ،نسأل الله أن يحفظنا من تيه الفكر وزيف الوعي وأن يهبنا نور البصيرة لنكون حصنا للأمة ونجاة للإنسانية بوركتم وبوركت جهودكم .