حلم الشعوب ..... نهم الطغاة
الكل يبحث عن مجد.
عن حلم ضائع، عن هدفٍ قديمٍ أكلت أطرافه الرمال…يبحثون، لكن بلا جدوى.
ألا تلاحظ، يا صديقي؟ العالم بأسره بات في حمى البحث عن المعنى…
عن حضارةٍ تنقذه من فراغ الروح، عن رقيٍّ لا يُقاس بترفٍ زائف، بل بفضيلة تُعيد للإنسان إنسانيته.
لقد أحسّ الحكام بأن شعوبهم بدأت تصحو.
أن هناك شوقًا يتعاظم في صدور الناس، شوقًا للمضمون لا المظهر، للفضيلة لا الفوضى، للحضارة التي تُبنى بالعقل لا بالمدفع، وبالوعي لا بالإعلام.
لكن الطغاة… ما كان لهم أن يتركوا هذا الحلم نقيًّا.
انقضّوا عليه كما تنقض الضباع على فريستها.
استغلّ كل طاغٍ أهداف الشعوب النبيلة، وحوّلها إلى شعارات تخدم أهواءه، تُشغل الداخل وتصرف نظره عن الفساد، وتُرضي جشعه في الخارج تحت غطاء المجد الموعود.
ألا تلحظ كيف تلوح في الأفق أفكارٌ ما كنا نظن أن تعود؟
ماكرون، يرنو إلى أمجاد نابليون، معلنًا تمسّكه بأملاك فرنسا الاستعمارية وكأن الزمان لم يتحرك قيد أنملة.
وإنجلترا، تصارع التفكك، تحلم بإحياء إمبراطوريتها التي "لا تغيب عنها الشمس"، في وقتٍ غابت فيه عن نفسها.
واليابان، رغم حداثتها، ما زالت تحنّ إلى "الإمبراطورية اليابانية العظمى"،
والصين تسير بخطى ثابتة نحو حلمها التاريخي: "الصين العظيمة"،
واليونان التي أعيتها الديون، لا تزال تبصر في الأفق مجد أفلاطون والإسكندر،
وإيطاليا، في ظل التبعية، لا تزال تحلم أن تعود كل الطرق إلى روما،
وألمانيا، رغم القيود، ما زالت روح "ألمانيا العظمى" تعتمل في صدرها،
وحتى إيران، تتلفّت خلفها إلى مجد فارس، لعلها تستعيد ظلال إمبراطورية غابت.
الشعوب – يا صديقي – تبحث عن معنى…
عن حضارةٍ لا يُفرّغها الطغاة من جوهرها.
عن رقيٍّ لا يُستبدل بقصورٍ عالية وقوانين جوفاء.
بينما الطغاة، يبحثون عن مجدٍ يصنعونه على جثث الحقيقة، وعلى رماد المدن، وعلى أكتاف الشعوب المتعبة.
فهل ينجح منطق الشعوب؟
هل يصمد وعيها، وفطرتها التي تنشد السلام والرقي؟
أم تهزمها رغبة الطغاة… تلك التي تقتات على الأحلام النبيلة، لتصوغ منها تماثيل لأنفسهم على أنقاضنا؟
بين حلم الشعوب… ونهم الطغاة
يُصاغ تاريخ جديد،
فإما أن يكتبه الوعي، أو يعيد الطغيان تدوين الخراب.
