أكتب.... لأحيا
لم أبدأ هذه الصفحة لأحصد إعجابًا، ولا لأزيّنها بالكلمات.
بل بدأت لأبحث عن نفسي وسط ركام الصمت. لأُحيي ما كاد يذبل في داخلي من شغف، من وعي، من حنينٍ للعقل.
منذ البدايات، كنت أكتب لأنني أشعر... أشعر أن هناك شيئًا أكبر يُنتظر أن يُقال، أن يُبعث من رماد النسيان.
أكتب... لأحيا.
يراودني شغف الكتابة، فأكتب. تنساب خواطري، أغرق بين كلمات أفكاري، لا أشعر بالزمن، حتى يوقظني أولادي... فأُؤجل الكتابة تحت وطأة الرغبات التي لا تعرف الانتظار.
لكنني لا أتوانى عن الرجوع.
أكتب عن الفضيلة، تلك الترنيمة القديمة التي ترنم بها الأنبياء والفلاسفة والشعراء، وغابت عن زماننا، فغابت معها المعاني، وضاعت البوصلة.
أكتب لأنني أؤمن أن الفضيلة ليست خُلقًا هامشيًا، بل عماد وجودنا، وبذرة نهضتنا، وشرطُ نجاتنا من الانهيار.
أكتب عن حضاراتٍ صعدت وأخرى سقطت.
عن ابن رشد الذي أضاء الغرب حين أُطفئت أنوار الشرق.
عن باريس التي حملت مشعل النور بعد الأندلس، فارتفعت بينما تهاوى أهلنا في سباتٍ طويل.
راقبتُ أوروبا تتقدم بالعلم، ثم تتمزق بالحروب.
تحوّل التنافس الشريف إلى صراعات قومية وحروب دموية.
حتى الحضارة، التي قامت على العقل، سقطت حين استسلمت للغة القوة.
واليوم، أرى علامات التكرار...
القومية، الانغلاق، التحريض... وكأن التاريخ يعيد دورته القاسية.
أنا لست متشائمًا، ولكنني أُحذر.
فالحضارة لا تعني ناطحات السحاب ولا فائض الإنتاج، بل احترام الإنسان، والانتصار للفكرة، والعيش بضمير.
ومن لا يتعلم من التاريخ، سيُعاد عليه كابوسه في صورة جديدة.
في قلبي حلم...
أن نُحيي وعينا، أن نبني مجتمعات تقرأ، تفكر، وتنهض.
أن نُشعل جذوة الفضيلة من جديد، لنحيا بها، ولأجلها.
مشروعي ليس ترفًا فكريًا.
بل هو نداءٌ داخلي: "تعلّم لتنهض."
هي رسالة إلى كل من أرهقه التبلّد، وأضناه الشعور باللاجدوى.
إلى من لا يريد أن يبقى متفرجًا على التاريخ، بل راغبًا في صناعته.
أنا ابن قرية، أعيش البيروقراطية، وأرى الجهل كيف ينحر الأمل في العيون.
لكنني أؤمن، رغم كل شيء، أن النهوض يبدأ من فكرة.
فكرة تُكتب، تُقرأ، تُصدّق، ثم تُغيّر.
لهذا أكتب.
لا لأنني أملك الحقيقة، بل لأنني أبحث عنها، وأؤمن أن الحرف إذا صُدق، أيقظ أمة.

ونعم السبب