طريق... الأمل
لو قُيِّضَ ليَ الاختيار، لكانت وجهتي بلادَ الغرب،
لا هَرَبًا من أرضي،
بل بحثًا عن زادٍ أعودُ به إلى وطني المُنهَك...
فأنهضَ به كما تنهضُ الروحُ بجسدٍ أضناه الغياب.
كنتُ لأرتحلَ إلى أوروبا،
أَنهلُ من علمِها الرصين،
وأغترفُ من عُمقِها الفلسفي، وأصالتِها المعرفيَّة،
وأتشبَّعُ بنظامِها الّذي يصنعُ من الفكرةِ جسدًا،
ومن النظريةِ واقعًا.
ثمّ إلى أمريكا،
حيثُ الفكرُ الحديث، والخيالُ الواقعي،
والأسلوبُ العملي في قراءةِ الحاضر وصناعةِ المستقبل.
هناك، لا مكانَ للجمود، بل للابتكار،
وللإيمانِ بقدرةِ الإنسانِ على التغيير،
مهما تعاظمتِ التحدّيات.
ومن هناكَ إلى الصّين،
أستلهمُ من روحِها المستميتةِ في بلوغِ الهدف،
إصرارَها الذي لا يعرفُ المستحيل،
وإرادتَها التي جعلتْ من الملياراتِ قوّةً تنهضُ من تحتِ الركام.
ثمّ أَمُرُّ على ألمانيا،
لأتعلَّمَ من دقّةِ صُنعِها،
وانضباطِها، وتفانيها في الجودة،
حيثُ لا مكانَ للاسترخاءِ أمامَ العمل،
ولا تسامحَ مع الهشاشة.
وأقفُ عند اليابان،
حيث يُقدَّسُ العملُ كأنّه عبادة،
وتُصانُ الدقائقُ كما تُصانُ الأرواح،
ويُغرسُ في النفسِ أنّ الكرامةَ لا تُهدى،
بل تُنتزعُ بالجدّ والعزيمة.
ثمّ أعود...
أعودُ إلى مصر، لا كما خرجت،
بل كما وُلدتُ من جديد.
أعودُ بروحٍ جديدةٍ تنفخُ في أُمَّتي أملَ الحياة،
كأنّها تلقّت نفخةَ الخلقِ من جديد.
أعودُ إلى مصر،
لأُوقِظَ فيها الرّوحَ الفرعونيةَ الّتي سكنت تحت الرُّكام،
لا روحَ التّعالي، بل روحَ البناء، العُمق، والبقاء.
أُوقِظُ فيها حضارةَ الإسلام،
الّتي جمعت بين نورِ الوحي وسِعةِ العقل،
بين عمارةِ الأرض وتهذيبِ الإنسان.
أعودُ لأقولَ لكلِّ إنسانٍ عربي،
ولكلِّ نفسٍ أنهكها اليأس:
إنّ الأملَ ليس وَهمًا، بل طريق...
وأنّ الطريقَ ليس سهلاً، لكنه موجود.
وأنّك حين تؤمنُ بنفسِك،
وتتسلَّحُ بالعلم، وتتغذّى من تجاربِ الأمم،
تستطيعُ أن تعودَ إلى وطنك،
لا طالبًا منه شيئًا، بل واهبًا له الحياة.
فالأملُ لا يُنتَظر، بل يُصنَع.
والنهضةُ لا تُورَّث، بل تُنتَزع.
والأمةُ لا تُبعَث بالكلام، بل بالإرادة...
والإرادةُ تبدأ من فكرة، والفكرةُ تبدأ من إنسان.
فكنْ أنت هذا الإنسان...
وسِرْ في طريقِ الأمل،
حتّى وإن كنتَ وحدك.
فكلُّ حياةٍ بدأتْ بنفخة،
وكلُّ أُمّةٍ بدأتْ بإنسانٍ قال:
"لن أستسلم."
