الإيمان غريزي والإختيار حر
عظمة الله جلّ جلاله لا تتجلى فقط في اتساع الكون، ولا في دقة قوانينه، ولا في انتظام أفلاكه، بل تتجلى أعمق وأدق في الإنسان ذاته، في خلقه، وفي طريقة تعامله معه، وفي منحه عقلًا مفكرًا حرًّا، يظن أنه قادر ومستقل ومكتفٍ بذاته، بينما هو في الحقيقة موجَّه توجيهًا إلهيًا بالغ الإحكام، لا يشعر به، ليبقى الامتحان قائمًا، والاختيار حقيقيًا، والمعنى ممكنًا.
إذا تأملنا أي سردية حضارية أو أسطورية أو تاريخية منذ فجر الإنسان وحتى يومنا هذا، نرى حقيقة ثابتة لا تخطئها العين: لا وجود لحضارة خلت من فكرة الخالق. تعددت الأسماء، تشوّهت التصورات أحيانًا، واختلطت الحقيقة بالأسطورة، لكن الجوهر ظل ثابتًا: هناك قوة عليا، أصل للوجود، وعلة أولى. هذا الحضور الإنساني المتكرر لفكرة الخالق لا يمكن تفسيره بالصدفة ولا بالتقاليد وحدها، بل يدل بجلاء على أن الإيمان بالله مغروس في النفس البشرية غرسًا فطريًا، سابقًا على التعليم، أقدم من اللغة، وأعمق من التاريخ. إنه ليس فكرة مكتسبة بقدر ما هو حقيقة دفينة، كامنة في أعماق الإنسان، قد تُغطى أو تُشوَّه، لكنها لا تُنتزع.
التيه العقلي الإنساني لم يكن يومًا في إثبات الخالق، بل كان في إدراك معنى وجوده. فالعقل البشري، رغم تقدمه الهائل، لم يتوقف طويلًا عند سؤال من خلق، لكنه ظل عاجزًا أمام أسئلة النفس الكبرى: لماذا خُلقت؟ ما غايتي؟ ما حدودي؟ أين أقف من الخالق؟ وما موقعي من هذا الكون الفسيح؟ هذه الأسئلة لم يجد لها العقل جوابًا شافيًا، لا فلسفيًا ولا علميًا، لا لعجز طارئ بل لعجز بنيوي، لأن العقل – مهما علا – أداة داخل الخلق، ولا يستطيع من داخله تفسير الغاية النهائية للإطار نفسه. هو قادر على تفسير الكيف، على تفكيك المادة، وعلى قراءة القوانين، لكنه يقف عاجزًا أمام سؤال لماذا.
وهنا جاء الوحي، لا خصمًا للعقل ولا بديلًا عنه، بل مكمّلًا له، ومعيدًا إياه إلى وظيفته الطبيعية. الوحي لم يأتِ ليشرح حركة الكواكب ولا تركيب الذرّة، بل ليجيب عن السؤال الذي عجز العقل عن حسمه: لماذا وُجد الإنسان؟ حين يقرر الوحي أن الغاية هي العبادة، فهو لا يقدّم طقسًا، بل تعريفًا وجوديًا؛ فالعبادة ليست مجرد ممارسة شعائرية، بل إدراك للموقع، ووعي بالحدود، واتصال بالغاية الكبرى. ولهذا كان رفض الوحي في كثير من الأحيان ليس رفضًا للفكرة، بل رفضًا لما يفرضه من معنى، لأن المعنى يقيّد وينهي التيه، ويسقط وهم المركزية الإنسانية.
ومن هنا تتكشف منغصات الإيمان الإنساني الكبرى، ليست في ضعف الأدلة، ولا في غموض الفكرة، بل في تضخم الأنا حين ترفض الاعتراف بوجود من هو أعلى منها، وفي غياب الحكمة حين يُختزل الوجود في المادة وتُفقد الغاية، وفي طغيان العقل حين يتحول من أداة كشف إلى أداة تبرير، فيسوّغ الفجور باسم النسبية والحرية. هنا لا يُنكر الإيمان صراحة، بل يُطمس، ولا يُجحد الخالق، بل يُستغنى عنه.
وفي أعماق النفس الإنسانية وُضعت كفتا الميزان معًا: الخير والشر، التقوى والفجور. ليست هذه ثنائية عبثية، بل زوجية خلق، وشرط للامتحان، ومجال حقيقي للاختيار. فلا يُعرف الخير إلا بوجود الشر، ولا تظهر التقوى إلا مع إمكانية الفجور، ومن بين هذين الضدين يخرج الإنسان المؤمن نقيًّا، لا لأنه مُجبر، بل لأنه اختار.
وعند هذا الموضع تتجلى عدالة الله بأوضح صورها. فالإيمان الفطري محفوظ في النفس البشرية، لا يُحاسَب عليه لأنه معطى وجودي لا مكتسب. إنما يكون الحساب على الاستدلال الواعي، على من علم فأنكر، ومن أبصر فغطّى، ومن عرف فحرّف. أما فاقد العقل، والمريض، والجاهل الذي لم تبلغه رسالة، ومن سُلبت منه أدوات الإدراك، فهؤلاء لم ينكروا القاعدة، بل فقدوا القدرة على الوصول إليها. وغياب الاستدلال لا ينفي وجود القاعدة، بل يكشف عجز الأداة، ولذلك يسقط التكليف حيث تسقط القدرة، ويبقى العدل الإلهي كاملًا غير منقوص.
وهكذا يتبين أن الإيمان ليس طارئًا على الإنسان، والكفر ليس أصليًا فيه، والتيه الحقيقي ليس في الخالق، بل في المعنى. والعقل لم يُخلق ليمنح الوجود غايته، بل ليهتدي إلى الغاية التي وُضعت له. عظمة الله لم تتجلَّ فقط في خلق الإنسان، بل في أنه خلقه قادرًا على التيه، ثم فتح له طريق الهداية، وحاسبه على ما اختار لا على ما جُبل عليه.
لم يكلّف الله الإنسان أن يخترع الإيمان، بل أن لا يخونه.
