الحقيقة المطلقة… وعبثية الادّعاء البشري
لا أحد على وجه هذه الأرض يملك الحقيقة المطلقة. فكل ما هو بشري محكوم بالنقص، وكل فكرة تنبع من العقل الإنساني لا بد أن تكون محاطة بحدود، مهما بلغت من الدقة والذكاء. فالعقل – وإن بدا نبيلاً – أداة نسبية لا تُدرك إلا بقدر، وتُخطئ بقدر، وتتحرك ضمن إطار لا يمكنها تجاوزه.
إن الإنسان، بطبيعته، عاجز عن الإحاطة بكافة جوانب الوجود، فكل ما يعرفه اليوم، كان بالأمس مجهولًا، وما سيكتشفه غدًا لا يزال يحبو في ظلمات الغيب. وحتى في أعلى مراتب العلم والتجريب، تبقى نتائجه محتملة، تتغير بتغير المعطيات، وتتراجع أمام اكتشاف جديد.
من هنا، يصبح من العبث أن يدّعي فرد – أيًّا كان – امتلاك الحقيقة المطلقة، أو النطق بها من تلقاء ذاته. لأن المطلق لا يصدر إلا عن كمال، والكمال ليس من خصائص الإنسان. فكل من يزعم أنه يتحدث عن "الحقيقة النهائية" من داخل حدود وعيه البشري، إنما يخدع نفسه أو يعبث بعقول الآخرين، عن قصد أو عن جهل.
لكن هل يعني ذلك أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها؟
كلا. بل وجودها ضرورة عقلية ووجدانية، لكن الوصول إليها لا يتم بأدوات النقص، بل بالاهتداء إلى منبعٍ أسمى من الإنسان، منبع لا يخضع للزمن، ولا تحدّه الظروف، ولا تشوبه الأهواء. والحكمة في ذلك أن العقل لا يُطلب منه أن يُنتج الحقيقة المطلقة، بل أن يدرك إشاراتها حين تلوح له، ويُخضع لها منطقه وقلبه حين تلامس فطرته.
فالوجود – بما فيه من نظام ودقة وغائية – يدل على يدٍ خفية أعظم من العبث، ويُشير إلى عقلٍ سابق على عقولنا، وضع لكل شيء نظامًا، حتى صارت الفوضى ذاتَ قوانينٍ معروفة. وكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد إدراكه بعجزه. وكلما أوغل في الاكتشاف، أيقن أن ما لم يعلمه بعد أعظم مما علمه حتى الآن.
ومن هنا، فإن من يخرج إلى الناس متباهيًا بأنه "صاحب الحقيقة المطلقة"، من غير وعيٍ بتعقيد الوجود، أو تواضعٍ أمام عجز الفكر، لا يكون إلا مغرورًا بطبعه، أو غارقًا في جهله إلى الحدّ الذي يمنعه من رؤية جهله نفسه. وهذا ما جعل بعض الفلاسفة يشيرون إلى "جرأة الجاهل"، فهي جهلٌ مضاعف؛ جهل لا يعرف أنه يجهل.
إن الحقيقة المطلقة، أيها القارئ العزيز، ليست جملةً تُقال، ولا مقولةً تُرفع، بل هي شعور خفيّ في القلب، وطمأنينة صامتة في العقل، وانسجام هادئ في الروح. هي ذلك النور الذي لا يُملَك، بل يُلمَح. وتلك السكينة التي لا تُفرض، بل تُستقبل
