تلك أمانيهم... وذاك وعيي
"بين أحلامهم المستوردة… وواقعي الصلب، تنهار الأقنعة واحدة تلو الأخرى."
أبواق الهيمنة في الشرق الأوسط
لم تكتفِ الهيمنة الغربية بإقامة القواعد العسكرية في بلاد العرب، بل قالت: "ما نفع السلاح إن لم نحكم العقول؟"، فمدّت أصابعها إلى ما هو أخطر من الحدود والجغرافيا: الوعي.
ولأنهم أذكياء حين يتعلّق الأمر بمصالحهم، قرروا أن يجعلوا الغزو هذه المرة عبر "الريموت كنترول"، وأن يكون الحصار من داخل الرأس، لا من على الحدود.
فأنشأوا قواعد إعلامية، لا تقل خطرًا عن قواعدهم الجوية.
وفي بلاد الرافدين، حيث قامت الحضارة، وقُرئ أول حرف، ظهرت قناة "الحُرّة" — ويا لسخرية الاسم — على نفقة المواطن العراقي! نعم، من عائدات نفطه المنهوب، يدفع ليشاهد من يُملي عليه ما يظنه "حرية الرأي"، بينما يُدار كل شيء من واشنطن، وفقًا لوصفات جاهزة من "مطبخ الديمقراطية الليبرالية".
قناة الحُرّة، التي إن نظرت لميزانيتها، حسبت أنك بصدد برنامج نووي، لا برامج عن "التنمية البشرية"، تبث الرسائل الأمريكية بخبث لغوي، وتُدخل السم في عسل المصطلحات: "تمكين المرأة"، "مكافحة التطرف"، "السلام الإقليمي"… مصطلحات لا غبار عليها، حتى تُكتشف الفاتورة لاحقًا.
ولمّا لم تكن قاعدة "العديد" في قطر كافية، فقد أنشأوا قاعدتهم الإعلامية الأشهر: قناة الجزيرة.
تظنّها تُنير العقل العربي، فإذا بها شمعة في مهبّ السياسة، تنير فقط حيث تأمرها وزارة الخارجية.
تستعرض على مشاهديها "الرأي والرأي الآخر"، لكنها غالبًا تعرض الرأي… والنسخة المعدّلة منه.
تعوّدت أن تتكلم باسم المظلومين، بشرط ألا يكون الظالم صديقًا لأمير الدوحة.
أما في المملكة السعيدة، فقد دبّ الرعب في قلوب بعض السادة من فكرة أن الجزيرة قد تطيح بالعرش، فقالوا: "هاتوا لنا قناة أيضًا!"، فخرجت علينا قناة العربية، بثوب "الاعتدال" و"المصداقية"، لكنها تحمل في جعبتها نُسخة سعودية من نشرة الخارجية الأمريكية.
تظهر بمظهر الراقي المهذّب، فتتحدث عن "الإصلاح"، و"التنمية"، و"الاستثمار"، وهي لا تكاد تنطق بكلمة عن مظاهرة، أو معتقل، أو جثة في حفرة.
قناة للعقل المحافظ، تُمرر له السم، بعد أن تغلفه بآيات وسِيَر وسِياسات!
ولأن الهيمنة لا تكتمل إلا بأبواقها الكلاسيكية، جاؤونا بـCNN الناطقة بالعربية، لا لتُترجم الواقع، بل لتعيد تشكيله؛
وبـBBC البريطانية، التي علّمونا أنها "نموذج المهنية"، فإذا بها جهاز علاقات عامة لتجميل الاستعمار الإنجليزي السابق.
تتظاهر بالحِياد، ثم تختار "المصطلحات المصيرية": هذا "متمرد"، وذاك "مناضل"، بناءً على دفتر تعليمات محرّر الأخبار في لندن.
ثم لا ننسى France 24، قناة من يظن أن فرنسا ما زالت إمبراطورية.
هم لا يستطيعون حماية أنفسهم من مظاهرة في باريس، لكنهم يُرسلون لنا "تحليلات إستراتيجية" عن اليمن وليبيا والسودان!
وكأن من فقد سُلطته في أفريقيا، أصبح يُنظّر في شؤون العرب.
خلاصة القول
لقد أنشأوا قواعد لغزو العقل، بعدما شبعوا من غزو الأرض.
فإذا كان الماضي استعمارًا مباشرًا، فإن الحاضر استعمار ببدلة إعلامية، وكرافتة محلّلة على شاشات "HD".
الإعلام لم يعد حارس الحقيقة، بل حارس الرواية الرسمية، يرفع من يشاء، ويسقط من يشاء، ويُقنع الشعوب أن الهزيمة انتصار، وأن الاحتلال تحالف، وأن التبعية تطوّر.
وفي النهاية، لا تندهش من سذاجة الجمهور، بل اطرح سؤالًا واحدًا:
من يملك القناة؟ ومن يكتب النص؟ ومن يُقرّر متى تُعرض الحلقة؟
الوعي يا سادة، لا يأتي من "الحُرّة"، ولا من "الجزيرة"، ولا من "العربية"،
بل من الحُرّ الحقيقي الذي يُسائل، يُشكّك، يُفكّر… ويضحك، حين يكتشف أن كل ما يُعرض عليه… مسلسل طويل بعنوان:
"كيف نصنع لك وعيًا يناسبنا؟"
لكن
ها أنا هنا أبصر من بعيد كل خطواتكم لا من بدايتها بل من آثارها،
فمن خبر ماضيكم لن يغفل حاضركم،
بل لن ينخدع
بمستقبلكم،
فتمنوا ما شئتم، وعلى صخرة وعيي تتحطم أمانيكم.


مقال رائع جدًا ❤️