الشرق بين حدود الجغرافيا وحدود الوعي: قراءة في وظيفة الكيان الصهيوني
لم تُولد دولةُ الاحتلال كما تولد الأمم في مدارج التاريخ، ولا نشأت من تفاعلٍ طبيعيّ بين أرضٍ وشعب، بل ظهرت إلى الوجود بصفتها اختراعًا سياسيًا محضًا؛ مشروعًا هندسته الإمبراطوريات لتضع في قلب الشرق أداةً تُشرف منها على مسار المنطقة بأسرها.
كان وعد بلفور لحظة إعلان الفكرة، لا إعلان الشعب؛ لحظة رسم كيان قبل أن توجد له دولة، وإعطاء الشرعية لوجود لم يتكوَّن بعد، لكنه صُمم ليخدم وظيفة تتجاوز حدوده الضيقة.
وظيفة الكيان: حين تُصنع الدولة لتكون أداة
في زمن الإمبراطورية البريطانية، كان الشرق مساحة استراتيجية لا تسمح جغرافيته بتوازنٍ مستقر إذا تُرك لأهله.
كان لا بد، في نظر صناع القرار، من كيانٍ يفصل المشرق عن ذاته، ويُبقيه في حالة انشغال دائم عن مشروع النهوض.
لم يكن الهدف مجرد حماية مصالح بريطانيا، بل صناعة فاصل تاريخي يُبقي العالم العربي بعيدًا عن إمكانية التوحّد أو تحقيق استقلال حضاري قادر على منافسة الغرب.
ثم جاءت الولايات المتحدة، لا بصفتها وريثة مباشرة لبريطانيا، بل بوصفها القوة التي تولت إدارة النظام العالمي بعد الحرب الكبرى. ومع انتقال مركز الثقل، انتقلت وظيفة الكيان.
لم تعد إسرائيل مجرد أداة استعمارية كلاسيكية، بل أصبحت قاعدة متقدمة ضمن البنية الدولية الجديدة؛ عنصرًا ثابتًا في معادلة ردع المنطقة، وكبح أي نهضة محتملة، وإعادة تشكيل الشرق وفق رؤية لا مكان فيها لقوة عربية أو إسلامية مستقلة.
الاتفاقات الإبراهيمية وجرأة الغرب
في السنوات الأخيرة، أظهرت الاتفاقات الإبراهيمية الوجه الأكثر جرأة للطموحات الغربية: تحالفات رسمية تربط دولاً عربية بإسرائيل، لا على أساس مصالح استراتيجية فحسب، بل على أساس تغيير الوعي الجمعي.
تسعى هذه الاتفاقات إلى إعادة صياغة الهوية الدينية والثقافية للمنطقة، وتقديم نموذج للتعايش يُسوّغ الطاعة، ويخفف من الالتزام بالهوية التاريخية، ويحوّل ما كان قديمًا مقدسًا إلى خيار دبلوماسي عابر، قابل للمساومة.
إنها جرأة غير مسبوقة: طمس الهوية الدينية ليس فقط بالسطوة العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر التوافق الرسمي، وإضفاء شرعية على علاقات تُخرج الدين من حيزه الروحي إلى حيز الوظيفة السياسية، كأن التاريخ كله يُعاد كتابته بيد الغرب، في محاولة لتطويع الشرائع والمقدسات لصالح مصالحه.
من تفتيت الأرض إلى تفتيت الهوية
تغيّرت وظيفة الكيان مع العقود.
فبعد أن أدّى دوره العسكري في تفتيت الجغرافيا، انتقلت المهمة إلى مستوى أعمق: تفتيت الهوية نفسها، وإعادة صوغ الوعي العربي بما يُلائم مصالح القوى الكبرى.
لم يعد المطلوب السيطرة على الأرض فقط، بل السيطرة على المعنى:
أن يقتنع الشرق أن تقدم الغرب حتمية.
أن يُسلّم بأن تفوق الغرب علميًا ومعرفيًا قدر لا يُقاوَم.
أن يتقبّل أن وجود إسرائيل واقع لا يُناقش، بل يُطبع معه في السياسة والثقافة والتعليم.
أن يصبح الدين والأخلاق والأعراف أدوات يمكن توظيفها وفق مصالح التحالفات الكبرى.
وهكذا انتقل الصراع من ساحات الجيوش إلى ساحات الوعي، ومن خطوط الحدود إلى خطوط القيم، ومن الجغرافيا إلى الوجدان.
طمس الوحي أم طمس الوعي؟
يبدو للكثيرين أن الهدف النهائي هو طمس الوحي.
لكن الحقيقة الأعمق أنّ القوى الكبرى لا تُعنى بالوحي كنص مقدس، بل طمس الوعي الذي يولّده الوحي: وعي الحرية، وعي الكرامة، وعي الضمير الذي يرفض أن يتحوّل الإنسان إلى مجرد تابع في منظومة عالمية تُعاد صياغتها وفق مصالح الأقوياء.
ولهذا فإن الآية الكريمة:
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}
لا ينبغي أن تُقرأ قراءة سياسية ضيقة، بل بوصفها قانونًا حضاريًا: إن القوى العظمى لا ترضى عن الضعيف إلا إذا فقد هويته، وذاب في نموذجها، وترك خصوصيته الفكرية والروحية كي يصبح جزءًا من خطابها الذي تفرضه على العالم.
الصراع الحقيقي: من نكون؟
لقد تحوّل السؤال اليوم من ملكية الأرض إلى حق الأمة في تعريف نفسها، من ثروات قابلة للنهب إلى وعي قابل للتوجيه، ومن حدود رسمتها الجيوش إلى حدود يختبر فيها الإنسان أصالة هويته.
إنه صراع بين أمة تدافع عن حقها الطبيعي في أن تكون نفسها، وبين منظومة عالمية تريد إعادة تشكيل الكون على صورتها، وفرض نموذج حضاري واحد يُقاس فيه الإنسان بمقدار خضوعه، لا بقدرة وعيه وإبداعه.
خاتمة: ما لا يعرفه صانعو الخرائط
ظنّ صُنّاع الخرائط أنهم قادرون على رسم المصائر كما يرسمون الخطوط، وأنهم قادرون على إخماد الشرارة التي تُشعل في الإنسان سؤال الحرية والمعنى.
لكنهم نسوا أن ما يحرك الأمم ليس الجغرافيا وحدها، بل الوعي؛ وأن الوحي حين يغيب عن الساحة لا ينطفئ، بل يختبئ في النفوس حتى تأتي ساعة العودة.
فالشرق، مهما بدا ضعيفًا، لا يزال يحمل في أعماقه روحًا مقاومة، روحًا تعلم أن الحرية تبدأ من معرفة الإنسان لهويته، وأن القوة الحقيقية للأمم تكمن في إدراكها أنها ليست مجرد خطوط على خرائط أو مصالح تُوزّع،
بل وعي مستمر، تاريخ حي، ومصدر نور لا ينطفئ.

بارك الله فيكَ على هذا المقال الجميل كلام في الصميم 👌