الدولار...... والحرب
حين تُسعَّر الأرواح على مؤشرات البورصة
في زمنٍ باتت فيه القيم سلعة، والضمير رفاهية، لا عجب أن نرى الدولار يصعد حين تسقط قذيفة، وينتعش حين تُراق دماء.
كأن هذا الورق الأخضر لا يعيش إلا على صدى الانفجارات، ولا يتغذى إلا من نحيب الثكالى. يرتفع الدولار... حين تشتعل حرب، ينتعش... حين يُخنق شعب، يُهيمن... حين يُخنق الأمل في صدر فقير.
هل بات الاقتصاد العالمي شركة مقاولات دمار؟ وهل صارت الحروب هي الوقود الفعلي لنمو الناتج المحلي للدول "العظمى"؟ أم أن الأمر أدهى من ذلك، حين صار الدولار نفسه أداة للهيمنة الناعمة والخشنة معًا، يُستخدم في التفاوض كما يُستخدم في القصف؟
في ظلال هذا المشهد، يخرج بعضهم بوقاحة سياسية ويقول: "إن استهداف إيران رسالة لكل من تسوّل له نفسه تهديد الاستقرار العالمي". وما يقصدونه حقًا هو: "تهديد سطوة الدولار، وقوة أسواق السلاح، ومصالح الشركات العابرة للقارات".
ثم يطل ترامب من شرفته ليطالب بتخفيض أسعار الفائدة، لا حبًا بالفقراء، بل ليدفع عجلة النمو التي لا تدور إلا على جماجم الأبرياء. وفجأة، يرتفع الدولار مجددًا عقب قصف، كأنه عاد ليتنفس بعد أزمة... أزمة قلة دماء!
لكن الحقيقة الأشد مرارة، أن هناك من لا يزالون يصدّقون أن الدولار مجرد "عملة"، لا يرون فيه قيدًا ذهنيًا عالميًا، ولا سلاحًا أكثر فتكًا من ألف صاروخ. الدولار، يا سادة، ليس ورقة... إنه مشروع. مشروع لإدامة السيطرة. مشروع لتحويل العالم إلى سوق، والإنسان إلى مستهلك، والوطن إلى مستودع موارد.
أما الفضيلة؟ فقد خرجت منذ عقود من قاموس الاقتصاد العالمي. وأما الضمير؟ فهو يُتلى فقط على المنابر الدبلوماسية في المؤتمرات.
لكن… ربما تنقلب الطاولة يومًا. ربما تصحو الشعوب من هذا السُبات النقدي العميق. ربما تفهم أن الدولار الذي يرفعونه كل صباح على مؤشرات السوق، قد يكون هو ذاته الذي يُغطّونه كل مساء بكفن شهيد.
"ملعونٌ هو الدولار حين يُربط بالدمار، ومباركٌ هو الوعي حين يُفكّ قيده."
