عائد من زمن ما قبل ابن رشد
أعشق باريس، لا لمباهجها السطحية، بل لتنوعها الحضاري والفكري، لأناقة ملابسها التي تنسج الذوق مع الذكاء، لرُقيّ شعبها الذي لم يُطفئ شغفه بالمعرفة، لمفكريها الذين أشعلوا فتيل التنوير في قلب الظلام، لرائحتها العطرة التي لا تفوح من عطورها فحسب، بل من كل ما يمتّ للثقافة بصلة.
باريس، كما رأيتها بروحي قبل عيني، لم تكن مجرد مدينة، بل كانت مهدًا حضاريًا لأوروبا كلها. فبعد سقوط غرناطة، حيث انطفأ وهج الأندلس وساد ظلامٌ دامس في الشرق، سرت شعلة العلم من هناك، من قلب أوروبا، حين ترجمت أعمال ابن رشد وأمثاله، فأضاءت طريق الغرب.
شعوب كانت بالأمس تسكن الكهوف، أمسكت كتب ابن رشد، قرأت، فهمت، تساءلت، فبنت، وارتفعت. بينما غرق الشرق، الذي أنجب الفلاسفة والفقهاء والعلماء، في وحل الجهل والجمود.
دبّ في أوروبا الحنين إلى العقل، وانتعشت بينهم روح التنافس العلمي والثقافي. كل أمة أرادت أن تضيف لبنة في صرح الحضارة الجديدة، فبدأ سباق البناء، لا الهدم.
لكن، كما كل قصة بشرية، لم تخلُ من ظلالها. سرعان ما تحوّل ذلك التنافس النبيل إلى صراع مرير، وإلى حروب طاحنة. تقاتلت فرنسا وألمانيا، واشتعلت أوروبا في حربين عالميتين دمويتين. سقط الملايين، وتمزّقت القارة، وذبلت روحها الإنسانية خلف لغة القوة والدم.
أردت، سيدي، أن أتطرق لهذه الخلافات الكبرى، لا حبًا في الاستعراض، بل لأثبت لك أن لغة القوة لا تبني حضارة، بل تجرّدها من معناها. الحضارة، في جوهرها، لا تُقاس بعدد الأسلحة، بل بعدد الكتب التي تُقرأ، وبقدرة الإنسان على احترام المختلف.
واليوم، أراقب أوروبا بقلق. أرى التمركز القومي، والنعرة الطائفية، والأفكار الشعبوية، تطفو على السطح. تحذيرات المفكرين تتعالى: هل تعود الحضارة الأوروبية إلى الكهوف، كما عاد الشرق يومًا؟ وهل يدور التاريخ دائرته علينا جميعًا؟
من يا تُرى سيحمل شعلة الحضارة من جديد؟ من سيمتلك الجرأة ليجعل العقل قائدًا، لا التحيز، وليجعل الفضيلة غاية ،
لا مجرد شعار؟

لعلّها ستعود لأصلها وموطنها