الفكر النفعي... حين تُقسَّم الأوطان كأرباح
ليست كل الحروب تُعلن،
وليست كل الحدود تُرسم بالسلاح،
فبعض الخرائط تُصاغ في صمت… على طاولة حسابات النفع والخسارة.
في عالم تسوده القوة، تتقدّم الفلسفة النفعية كمنهج خفي يعيد تشكيل العالم. لا على أساس الحق أو الكرامة أو التاريخ، بل وفق معيار واحد:
ما الذي سأكسبه؟
وما الذي يمكن التضحية به، إن لم يكن مفيدًا؟
هذا الفكر، وإن نشأ في عمق الفلسفة الغربية الحديثة، لم يبقَ حبيسًا في الكتب. لقد نزل إلى أرض الواقع، وصار هوية للسياسة الخارجية، وأداة في يد القوى الكبرى لتعيد تشكيل الدول، والأنظمة، والثقافات، بل وحتى الشعوب.
ولعلّ العالم لم يشهد تطبيقًا فجًّا لهذا الفكر كما شهد في اتفاقية سايكس بيكو، حين قُسّمت منطقة الشرق الأوسط كما تُقسّم أسهم الشركات. لكنها لم تكن حادثة منعزلة، بل كانت النموذج الأوّل الذي تكرّر — ويُعاد تكراره — بصيغ متعددة في كل مكان تضع فيه الإمبراطوريات أصابعها.
في الشرق الأوسط تم تمزيق العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان وفلسطين تحت شعارات متعددة… كلها تلتقي عند مصلحة الكبار.
في أمريكا اللاتينية، دُعمت الانقلابات، واغتيلت الإرادات، وتمّت إعادة رسم إرث حضاري كامل بما يناسب أسواق التصدير.
في شرق أوروبا، كانت أوكرانيا نموذجًا لتمددٍ لا يعترف بمشاعر الجغرافيا أو ذاكرة التاريخ.
في شرق آسيا، تمارس الصين نفوذها بقسوة صامتة، تعيد من خلالها ترتيب محيطها بما يوافق مقاس صعودها.
ولا تظن أن هذا الفكر بعيد عنك،
ففي عالم العولمة، لا توجد مسافات آمنة.
حين يغيب الوعي، تدخل النفعية من كل باب:
في الاقتصاد، حيث يُقاس الإنسان بإنتاجه فقط.
في التعليم، حيث تُصاغ المناهج لخدمة السوق لا العقل.
في الإعلام، حيث تُباع القيم لمن يدفع أكثر.
وفي السياسة، حيث لا مكان للضعفاء إلا إذا كانوا أدوات.
فهل ننتظر حتى تُقسّم أوطاننا كما قُسّمت غيرها؟
هل نصمت حتى نصبح نحن الحالة القادمة على الطاولة؟
الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل حائط الدفاع الأخير لكل شعب.
هو ما يمنح الأمم مناعة ضد التقسيم،
وضميرًا يرفض أن يُختزل الوطن في ورقة حساب.
على كل أمة اليوم أن تعيد قراءة العالم من زاوية جديدة،
أن ترى المشهد كما هو، بلا تزويق ولا إنكار:
هناك من يعيد رسم الخريطة، لا بالحب ولا بالعدل،
بل بمنطق "ما الذي سنكسبه؟ ولو على أنقاض حضارات كاملة".
ليست هذه دعوة للعداء، بل للفهم.
وليست نداءً للانغلاق، بل لليقظة.
فالعالم لا يُعاد تشكيله على شاشات الأخبار، بل في العقول النائمة.
فأيقظوا وعيكم… فإن النفعية لا تعترف إلا
ا بمن يملك وعيه، ويحمي وطنه، قبل أن يُعاد رسمه.

جميل المقال جداً
اجدت تسليط الضوء على هذا الجانب