واع في زمن الزيف
ليس الجهل أن تجهل، بل أن تُطفئ نورك
في زمنٍ تشوّهت فيه المعاني،
وتُباع فيه الحقائق على أرصفة المصالح،
أعلم أنك كنت يومًا ممن حلموا بعالمٍ أفضل...
عالم يُحكم بالعقل، لا بالغريزة،
بالعدل، لا بالهيمنة،
بالقيمة، لا بالسعر.
أعلم أنك لم تولد غافلًا،
بل خُدّرت بالضجيج، بالأحداث المتلاحقة،
بتكرار الأكاذيب حتى صارت "واقعًا"،
وبواقعية مرّة دفعتك للصمت، لا للرضا.
لكن اسمح لي أن أذكّرك...
أنت لست قطعة في آلة،
ولا تابعًا لسلطان يظن أنه يرى وحده.
أنت عقل. أنت روح.
خلقت لتسأل، لتتأمل، لا لتُسيّر.
وعيُك ليس ترفًا، بل أمانة.
سيدي،
الطغاة اليوم لا يرفعون السيوف،
بل يزرعون الأفكار، يختطفون الوعي،
يكتبون لك التاريخ كما يشتهون،
يفسرون لك الدين كما يريدون،
يرسمون لك مستقبلك،
ثم يطلبون منك أن تسير إليه… شاكِرًا.
لكن الوعي لا يُقهر،
هو مثل الماء… يشق طريقه ولو بين الصخور.
أتذكر من كنت؟
حين كنت تسأل بلا خوف،
وتحلم دون أن تُقنن الحلم،
وتبحث عن معنى، لا فقط عن مصلحة؟
أعد إحياء ذلك السؤال الذي كدت تنساه:
لِمَ نحن هكذا؟
من المستفيد؟ من الخاسر؟
وأين أنا من كل هذا؟
الوعي، يا صاحبي،
ليس صراخًا ولا نُصحًا ثقيلًا،
بل إشعالُ شمعةٍ في صدرك،
نورٌ صغير يقول لك:
"توقف، تأمل، فكّر."
وها أنا أكتب لا لأعلمك،
بل لأذكّرك أنك كنت هناك...
عند أول الحلم، عند أول الصرخة،
حين قلت لنفسك:
"لن أكون نسخة من القطيع."
استفق.
لا لتثور، بل لتفهم.
لا لتُجادل، بل لتتأمل.
الوعي لا يحتاج سلاحًا...
بل يحتاج عقلًا منفتحا
