مقصد الوحي إعمال العقل
لقد جاء القرآن الكريم وحيًا لينتشل الإنسان من عصر الجهالة. غير أن كثيرًا من الناس يفهمون "الجهالة" على أنها الجهالة الدينية وحدها، بينما الحق أوسع من ذلك. فربك أعلم أن الجهالة الدينية لا تُرفع إلا إذا انقشعت الجهالة العلمية، لأن الدين لا يعيش في فراغ، وإنما يقوم على عقل واعٍ وبصيرة مدركة.
ولهذا جاء القرآن الكريم بطريقين متكاملين:
الأول: طريق من كان له عقل ورؤية وبصيرة، فأضاء له السبيل، ودعاه إلى أن يُعمل عقله ويتأمل آيات الكون والوجود. بل أمر نبيه أن يجيب عن أسئلتهم، ويترك لعقولهم أن تتسع في فضاء المعرفة الواسع، في إطار المعاني الكلية الكبرى. فجاءت الأسئلة القرآنية على ألسنة الناس كأنها مفاتيح لأبواب المعرفة، لا لتغلقها.
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟
أفلا يعقلون؟
وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟
ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا؟
ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل?
كلها أسئلة تفتح مسارات التفكير، وتوقظ البصيرة، وتجعل العقل شريكًا في رحلة الإيمان. إنها دعوة صريحة لتحريك العقل، ليخرج الإنسان من أسر التلقين إلى رحابة الفهم، ومن ضيق الاتباع الأعمى إلى سعة اليقين الواعي.
أما الطريق الثاني: فهو لمن لم يشأ أن يُعمل عقله، فاتباع المنهج هو سبيله. وهؤلاء لم يُكلّفوا بما يفوق طاقتهم، إذ لا عذاب بجهالة. فالقرآن عدل ورحمة، يفتح الباب لأهل الفكر والتأمل، ويقيم الحجة على أهل الغفلة والاتباع.
وهكذا تبيّن أن الوحي لم يكن نصًا جامدًا، بل حوارًا مفتوحًا مع العقل البشري، يُعلّمه بالسؤال أكثر مما يُلقنه بالجواب، ويقوده إلى أن يكتشف الحقيقة لا أن يرثها وراثة. فالسؤال في القرآن ليس علامة ضعف، بل هو برهان حياة، ومن لا يسأل لا يعرف، ومن لا يعرف يبقى في ظلمات الجهل، والقرآن جاء ليبدّد تلك الظلمات بنور العقل والوحي معًا.
